يفتخر الإنسان بإنجازاته على مر العصور والتي لطالما أضفت طابعًا حضاريًا على عالمنا، ولكن من كان يعلم أنها ستؤثر سلبًا وتردينا على حافة الهاوية، على الرغم من إيجابيات الثورة الصناعية واستخدام المحرك البخاري في كافة المجالات، إلا أنها سببت خطرًا على البيئة عبر انبعاث الغازات الدفيئة، وبالتالي ارتفاع درجة حرارة الأرض.

يتغير مناخ الأرض من حولنا عبر السنين، الأمر الذي أسهم في انقراض بعض الحيوانات والنباتات فضلًا عن انتشار العديد من الأوبئة المستوطنة كالملاريا والكوليرا بسبب هجرة الحشرات من الجنوب نحو الشمال وارتفاع الحرارة والرطوبة وغيرها من العوامل المسببة. كما أثبتت الأبحاث أن ارتفاع درجة الحرارة يؤدي الى انخفاض إنتاجية الغابات المدارية، بالإضافة إلى زيادة الأراضي القاحلة والجفاف وتغير نسب الأمطار والثلوج وارتفاع ملوحة مياه البحر وحرائق الغابات والأعاصير الشديدة والسيول ومثيلاتها من الاضطرابات المناخية.

وتشير الدلائل أن التغير السلبي الذي طرأ على عالمنا يترتب برمَته على الإنسان وعدم ابتكار حلول عملية في سبيل مواجهة هذه الظاهرة كفيل بانقراض جزء من العالم البيئي. ومع استمرار تزايد هذه الظاهرة بدأ العلماء والناشطون البيئيون بابتكار العديد من الحلول عبر تسخير التكنولوجيا الحديثة للنهوض بمشاريع طاقة متجددة والاستغناء عن الوقود الأحفوري وإزالة ثاني أوكسيد الكربون من الغلاف الجوي أو التحكم في المناخ عبر تطبيقات هندسة المناخ كالسحب الكيميائية لحجب أشعة الشمس بغية تلطيف درجة حرارة الأرض أو التحكم في كميات الأمطار المتساقطة ونشر النباتات التي تعمل على امتصاص غاز ثنائي أوكسيد الكربون. وتجسدت إحدى التجارب بانطلاق مشروع لتخزين غاز ثنائي أوكسيد الكربون في التكوينات الجيولوجية تحت سطح الأرض في قاع البحر أو على اليابسة.

ومن هذا المنطلق يأمل العديد من العلماء والفنانين أن تقوم الموسيقى بتأثير قوتها على حث الناس لمواجهة أزمة المناخ، على الرغم من أن استطلاعات الرأي تشير إلى قبول واقع الاحتباس الحراري ورغبة الناس في الحد منه، ولكن دون المبادرة بشكل فعلي. خلال السنوات الماضية بدأ العلماء في مشروع يكمن في ترجمة نقاط بيانات المناخ الجافة إلى ألحان تؤلم القلب بهدف التعبير عن الحاجة الملحة لإنقاذ المناخ.

وقال ستيفان كراوفورد، مؤسس مشروع «موسيقى المناخ»، وهي مجموعة مقرها سان فرانسيسكو، تؤلف موسيقى تعتمد على بيانات المناخ: «الموسيقى أسلوب عميق للغاية، حيث الاستماع إلى مقطوعة موسيقية تجسد واقع حيَ، يمكن أن يجعل تغير المناخ مشكلة شخصية لكل فرد؛ مما يحث الناس على التحرك».

كما أحيت العديد من الفرق الموسيقية بعض الحفلات وتأليف مقطوعات موسيقية بغية تسليط الضوء على واقع الاحتباس الحراري وتغير المناخ، عبر تجسيد الحقائق البيئية في موسيقا تستحضر أفكار إزاء ذوبان الجليد وارتفاع مستوى سطح البحر، بالإضافة إلى حرائق الغابات وغيرها. كما أوضح أحد ملحني المقطوعات الموسيقية الخاصة بالمناخ أن كل آلة تم العزف عليها تمثل جزءًا محددًا من الجزء الشمالي للكرة الأرضية، حيث يمثل التشيللو درجة حرارة المنطقة الاستوائية ويتحدد متوسط درجة الحرارة السنوية في تلك المنطقة بحسب ارتفاع أو انخفاض النغمات، وتشير النغمة المنخفضة أن المنطقة الاستوائية كانت باردة في تلك السنة، أما نغمات آلة الكمان المرتفعة تمثل طقسًا حارًا يمتد عبر القطب الشمالي. وحديثًا، يتم إضافة آلات أخرى تجسد ظواهر مختلفة وتصدر نغمات تذيب القلب وبهذه الطريقة يتم نقل ونشر المعلومات أكثر مما تقوم به الرسوم البيانية وذلك بهدف السعي إلى حث الأفراد على مواجهة هذه الظاهرة.

ومن الواضح أن الأجيال القادمة ستعاني من التصحر وزيادة الكوارث الطبيعية، حيث يتم ذوبان 400 طن من الجبال الجليدية سنويًا و14% من الجليد البحري كل 10 سنوات. وستعلو مياه البحار بنسبة 5 سم، ومن المتوقع أن تصبح الكثير من المناطق غير قابلة للسكن، ومع حلول عام 2040، سوف ترتفع نسبة الوفيات مالم يتم الحد من الاحتباس الحراري. ومع تقدم العلم والتكنولوجيا والسعي الجاد يبقى الأمل موجودًا في سبيل الحد من الاحتباس الحراري وتأثيراته على عالمنا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد