كاليفورنيا – منتصف ثمانينيات القرن الماضي

قبل يومين من الكريسميس جلس شابان في قبو منزل أحدهما، يشربان الخمر ويدخنان الماريجوانا بينما يستمعان إلى فريق الروك الشهير (جيدوز بريست) طوال النهار حتى غربت الشمس فالتقط كل منهما بندقية وخرجا إلى حديقة الكنيسة المجاورة، جلس الاثنان على الأرجوحة واضعين البنادق أسفل ذقونهما ثم أطلقا النار، مات أحدهما ونجا الآخر بعدما شوّه وجهه ليموت بعد فترة.

عندما استطاع الشاب الناجي الحديث، سأله المحقق عن دافعه للإقدام على الانتحار، فقال له الشاب: Life sucks.

وهو يعنى أن الحياة في غاية الملل والبؤس. بعد بضع سنوات قرر آباء الشابين أن يرفعوا دعوى قضائية ضد فريق (جيدوز بريست) يتهمونهم فيها بأن لهم رسائل من خلال أغانيهم تسببت في تحفيز الشابين على الانتحار. ربما كان السبب الرئيسي هو اكتئاب الشابين من البداية، إضافة إلى ذلك فإن الماريجوانا تضفي جوًا مساعدًا أكثر للإقدام على مثل هذه الأفعال إلا أن الآباء رفعوا القضية على فريق (جيدوس بريست) تأثرًا بدعوات سابقة ضد فرق روك أخرى، إلا أن هذه الدعوات قُوبلت بالرفض لأن الدستور الأمريكي يحمي مثل هذه الإنتاجات الفنية بسند حرية التعبير، لكن قبلت المحكمة القضية ولم تطبق المادة الدستورية فقد نصت الدعوى على أن هناك رسائل غير مباشرة تحملها الأغاني بإمكانها أن تسيطر على شعورك بشكل غير محسوس ولا يمكنك ملاحظتها في الكلام المباشر.

 جيدوز بريست

وقع التركيز على أغنية better by you better than me، كان جزء من مقطع الموسيقى أشبه بجمله Do It أي (افعلها) وهذا ما أكده مهندسو الصوت بفصل المقاطع الموسيقية، بناء على ذلك استند الادعاء إلى الاستدلال الآتي: كان يتكرر المقطع بشكل محفز، مما أدى بالنهاية إلى ترسيخ الفكرة في أذهانهم بشكل لا إرادي وكأنها منبثقة من داخلهم وليس بتأثير خارجي؛ افعلها. لم ترفض المحكمة هذا التفسير وفي نفس الوقت برأت فريق (جيوز بريست) لأنها لم تجد أنه كان هناك عمدٌ منهم في هذا، وعلى الرغم من ذلك ألزمت المحكمة الفريق بدفع أتعاب القضية كلها.

.Adele makes you miss your EX even if you haven’t been in a relationship

كان هذا تعليقًا لأحد معجبي المغنية (آديل) على أحد أغانيها الشهيرة، وهو يقول: آديل تجعلك تشتاق إلى حبيبتك القديمة حتى وإن لم تكن في علاقة من قبل.

تدور الكثير من أغانى (آديل) حول الحب والِفراق، بموسيقاها الهادئة وكلماتها المؤثرة تستطيع أن تأسرك لتدخل معها قصتها بطريقة تدفعك للتفاعل بشعور صادق.

عندما تثير الأغاني دموعك!

ما يميز تلك الأغاني هو نوع معين من الموسيقى يثير مشاعر المستمع بالإضافة إلى كلمات تلامس مشاعره بشكل مباشر وبالطبع صوت قوي ليكون الأداء متوائمًا.

قبل عشرين عامًا قام عالم النفس (جون سلوبودي) بعمل تجربة في هذا. استهدفت التجربة مجموعة من محبي الموسيقى، سألهم في التجربة عن أكثر المقاطع الغنائية التي تثيرهم حد التفاعل معهم جسديًا – بالدموع أو القشعريرة مثلًا – اختارت المجموعة عشرين مقطعًا من المقاطع التي تثيرهم حد البكاء أحيانًا. قام جون بتحليل هذه المقاطع ليجد أن ثمانية عشر مقطعًا منهم يشتركون بوجود الـAppoggiatura.

Appoggiatura هي نوع من أنواع المذكرات الموسيقية التجميلية تتداخل مع اللحن الأساسي للأغنية لينتج صوتان متنافران في نفس الوقت، مما يثير انتباه المستمع في هذه اللحظة.

«عندما يعود اللحن كما كان عليه قبل هذا الصوت المتنافر، فإن الانتباه يتحلل وهذا يضفي شعورًا جيدًا على المستمع».
مارتين جون – عالم نفس بجامعة كولومبيا –

في هذا الوقت ينتاب المستمع هذه القشعريرة، التي تتوالى عليه بتوالي إصدار الـappoggiatura مع اللحن الأساسي ثم يعود اللحن هادئًا بين الفينة والأخرى ليكون هناك دائرة متصلة بشكل سريع من إثارة الانتباه ثم الهدوء وهكذا إلى أن ينتاب أحدهم شعور كبير بالتأثر حد البكاء.

أبرز دكتور مارتين هذا التأثير في أغنية someone like you لآديل، حيث تتناثر مذكرات موسيقية تجميلية شبيهة بالـappoggiatura في أكثر من موضع، لتتداخل مع اللحن الأساسي، بالإضافة إلى أن آديل نفسها تقوم بعمل تواؤم بين صوتها وبين هذا ليُكَوّن نوعًا آخر من إثارة الانتباه يُقوّي الأول.

وجد أيضًا عالما النفس (مارتن جون) و(مارسيل زنتنر) أن المقاطع الموسيقية التى تثير قشعريرة بجسم الإنسان تشترك في أربعة أمور في العادة، وهي أنها تبدأ بشكل هادئ ثم تعلو فجأة،تتضمن تداخلًا لصوت عشوائي جديد عن النغمة الأصلية، تتضمن تداخلًا لترددات عدة في نفس الوقت، وأخيرًا، كل هذه المقاطع تحتوي على انحرافات غير متوقعه في اللحن كتلك التي تضيفها المذكرات التجميلية.

باختصار يمكننا القول إن تغييرًا مناسبًا لمستوى الأصوات بشكل مفاجئ يساعد في إحداث تلك القشعريرة ومرة مع الأخرى قد تندفع الدموع من التأثر.

عودة إلى أغنية Someone like you

تبدأ الأغنية بمقاطع هادئة ومتكررة بينما تقول (آديل) – في تناغم مع مذكرة موسيقية ذات تردد ضعيف -:

.«I heard that you’re settled down, that you found a girl and you’re married now»

يضعك هذا التلاحم بين الموسيقى الهادئة والكلمات الحزينة في جو حزين.

عندما تبدأ الفرق الموسيقية بالعزف بنغمة عالية، يرتفع صوت آديل، ويرتحل اللحن العام لمستوى آخر، ثم تصير الكلمات أكثر دراما، مثل:

.«Sometimes it lasts in love, but sometimes it hurts instead»

نخلص من هذا أنه عندما تنتقل الموسيقى من نموذج معين إلى نموذج آخر غير متوقع، فإن الجهاز العصبي يحدث له تنبيه عالٍ ومن ثم يكون هذا الشعور بالتأثر الشديد، يعتمد هذا التأثير على سياق الأغنية إن كان بشكل سلبي أو إيجابي، تؤثر الموسيقى في هذا السياق بشكل كبير جدًا وتليها الكلمات وهذا ما يبرهنه تفاعل الكثير من الجمهور مع الأغنية رغم أنهم لا يعرفون اللغة الإنجليزية.

إن كانت أغنية someone like you بها حزن شديد إلى هذا الحد، فلماذا إذًا أخذت هذه الشهرة الواسعة؟

يُجيب عن هذا فريق علم الأعصاب بجامعة (ماكجيل) بقيادة دكتور (روبرت زاتور) بأن الموسيقى التي لها تحفيز كهذا، تنتج هرمون (الدوبامين) بالمخ مما يؤدي إلى الشعور بالسعادة كتأثير الأكل الشهي وتناول المخدرات. انتهى تحليلهم.

لكن كتفسير آخر يبدو رائجًا وملامسًا للعقل هو أن مثل هذه الأغاني لا تطلب كونها تحسن مزاجنا وفقط بل أيضًا لأنها تلامس مشاعرنا أو أحيانًا ما نحتاجه من مشاعر أن تكون بنا.

قال أحدهم: «ليتني أنا وأنت جئنا العالم قبل اختراع التيلفزيون والسينما لنعرف هل هو حب حقًا أم أننا نتقمص ما نراه».

وهذا شيء يلامس الحقيقة، كون السينما والتلفزيون يشكلون وعيًا كاملًا لدى البشر، وعلى نفس المنوال أيضًا يمكن القول «ليتني أنا وأنت جئنا العالم قبل اختراع الموسيقى…» وتضع في الفراغ الكثير من المشاعر والانطباعات.

البداية

لفت انتباهي درس للشيخ محمد راتب النابلسي، أفرد فيه معنى مقنعًا للغاية في قضية «تحريم الأغاني»، سرد دليله الشرعي ثم علق بأن من أسباب أنها حرام أنها تزيف المشاعر وبناء عليه تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه واسترسل في هذا التعقيب بما يتفق مع الحقائق العلمية التي ذكرناها آنفًا، – كشخص يحب الموسيقى بشكل كبير – لم أحاول البحث في حرمانية الأمر مدة طويلة، خشية ثبوته، خشية فراقها بمعنى أصح، واكتفيت دائمًا بأنه هنالك «اختلاف» إذًا أنا في مأمن، حتى كان هذا البحث.

فى واقع الأمر أنت غير محمي من تزييف المشاعر تجاه شيء ما/ شخص ما، إن كانت الأغاني تلعب دورًا فيما يربط بينكما، بينك وبين الأشخاص والذكريات والأماكن والكيانات الاعتبارية… إلخ. أنت لا تعلم حقيقة المشاعر، لا تعلم هل اتخذت القرار الصائب عندما كنت تسمع هذه الأغنية أو حتى بعدها أم كان تأثير الأغاني، لا تعلم هل هذا الشعور الذي انتابك حقيقي أم إنها الأغاني، القناعة التي صيغت بشكل غير محسوس لا يمكنك أن تميزها عن القناعة الحقيقية حينها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد