يَسعى الباحث من خلال هذا المقال، إلى الوقوف عند مراحل تطور الموسيقى في المغرب، وعَملية التحول التي طالت بعض الأَصناف التي كانت تَتَّسم بطابعها التحرُّري، وذات نزعة سياسية متفاعلة مع ما يجري في المجتمع، من تحولات سياسية واجتماعية. وقد حاول المقال الإجابة عن سبب هذا التحول الذي طال الموسيقى، من موسيقى مُحركة للتَّغيير وناقدة للوضع الاجتماعي، إلى موسيقى استهلاكية قَابعة بين قوانين السوق بين العرض والطلب، والدور الذي أَصبحت تلعبه في تَشكيل وصناعة الواقع.

تقديم

اتَّسَمَت الفنون بطابعها المحاكي للمجتمع ولقضاياه، فكان الفنان والفنون جزءًا من المجتمع. وإحدى الوسائل التي يستطيع من خلالها الإنسان إظهار الواقع الاجتماعي بأبعاده المتعددة. فكان تجسيدًا لمسارات تطور هذه المجتمعات ولانتظارات الأفراد، تفاعلًا مع الأوضاع الاجتماعية والسياسية.

يساهم الفن في تكريس الاعتراف بالقدرة البشرية التحررية[1]، والمساهمة جنبا إلى جنب مع المثقف والمفكر والفيلسوف في تحليل الظواهر والدفع في اتجاه بلورة مشاريع مجتمعية، أو من خلال إحداث صدمات اجتماعية وفكرية للمتلقين. وبالرغم من المسار الثوري الذي لعبته الفنون بشكل عام والموسيقى بشكل خاص، سواء في زمن الأزمات والحروب أو الثورات والتي كانت فيها الموسيقى أداة لتحريك وتجييش المشاعر تجاه القضية وتجاه الوطن. إلا أنها لم تسلم من صيرورة التصنيع والسلعنة التي طالت معظم الأصناف الأدبية والفكرية، وارتبط الفن بشكل عام والموسيقى بشكل خاص بالعلاقة المصلحية بين المستهلكين والمنتجين، وأداة سيطرت عليها فئة مالكة لأدوات الانتاج حسب التعبير الماركسي. والتي تسعى عبرها إلى إحداث وعي زائف مفارق وفي قطيعة مع ما يجري داخل المجتمعات.

فتحول الفنان من نبي أو كاهن كما نُصبوا في العصر الذهبي كما يقول سان سيمون،[2] إلى تابعين لدور النشر أو لشركات الانتاج ولإملاءاتهم ولسياساتهم التسويقية. فالكثير منا اليوم قد يتساءل عن سبب تحول الموسيقى في المغرب من رافعة مجتمعية تقود التغيير، إلى مجرد سلعة تتحكم فيها قوانين السوق. فهل يمكن للموسيقى في المغرب أن تساهم في التسريع من عملية دمقرطة المجتمع وحداثته؟

1. النزعة التحررية داخل المتن الموسيقي الشعبي في المغرب

شكلت الموسيقى في المغرب وكسائر الدول، منبع القيم الحداثية القائمة على الحرية والعدالة والمساواة. ويشهد التاريخ والأغنية الخالدة للعَيْطَة[3] المغربية، عن الطابع النضالي الحر لهذا النمط الموسيقي، سواء في مرحلة الحماية الفرنسية، كما هو الحال بالنسبة لأغاني لمباركة البْهيشّية، التي جيشت الناس ضد الاستعمار الفرنسي. وقصائد حادة الغَيَاثية الملقبة بـ«خَرْبوشَة» التي قاومت استبداد القايد عيسى في منطقة ولاد زيان. إلا أن هذا الفن لم يسلم من أسهم الاتهام والدونية والتي لعب فيها الاستعمار في بداية الأمر دورًا بارزًا في إجبارهم على الغناء والرقص أو في زجهم في المعتقلات، ثم ساهم التيار الديني السلفي بعد الاستعمار في تشويه هذا الفن كما فعلوا بالزوايا من خلال ربطه بالاستعمار والتخوين.

إلا أن القصائد الموروثة عن فن العيطة تعكس الطابع التحرري للفنان تجاه السلطة، سواء كانت سلطة المجتمع أو الدولة، وما زالت قصائد الفنانة خربوشة ضد طغيان قايد عيسى[4] مجسدًا موروثًا وتاريخًا من الوعي السياسي المطالب بالحرية والكرامة. تقول في إحدى قصائدها الموجهة ضد القايد عيسى، «سير أعيسى بن عمر … وكال الجيفة .. قتال خوتو .. ومحلل الحرام .. سير عمر الظالم ما يروح سالم».[5] والتي تصف فيه القايد بالقاتل والظالم والذي سيلقى مصيره مهما طال الزمان.

وإن كانت موسيقى العَيْطَة فنًا ثوريًا ضد الاستبداد السياسي، فقد بقيت قابعة داخل الموروث الشفهي للمغاربة الذي لم يتجاوز مجاله التداولي المحلي، عكس الظاهرة الغيوانية التي أعطت خلال فترة السبعينيات نفسًا احتجاجيًا للفنون، وعكست مرحلة من تاريخ المغرب، طواق للحرية ولبناء مسار ديمقراطي. هذا التيار الفني الذي كان ذو نزعة سياسية، تجاوب مع هموم اليافعين وأحلامهم وهواجسهم، والتي من خلالها حصدت المجموعات آنذاك سواء ناس الغيوان، ازنزارن على موردين من داخل المغرب أو من خارجه.

ولكن قد يتساءل البعض عن مصير الأغاني السياسية اليوم في ظل حاجة المجتمع لها، أو هل حقًّا يحتاج المجتمع اليوم إلى هذا النمط من الفنون؟ وإن كانت السياسة ذات ارتباط عضوي إلى حد ما ببعض الأصناف الموسيقية الشبابية المعاصرة كأغاني الراب والبانك، إلا أن فاعليتها ما زالت ضئيلة أو أنها لم تسلم هي الأخرى من عملية التسليع، والتي أفقدتها طابعها الحماسي والجريء ما أفضى إلى إحداث شرخ بين ما يجري في المجتمع وما تحمله الفنون والثقافة من الرسائل بشكل عام.

2. الأغاني العصرية.. من تسليع الموسيقى إلى تسليع المجتمع

يقول الشاعر والفيلسوف بول فيري هناك سلعة اسمها الفكر، وهناك سلعة اسمها النفط والقمح[6]. وهي حالة ما بعد تسليع الثقافة بشكل عام، والتي شكلت محور اهتمام المدرسة النقدية – مدرسة فرانكفورت- فحسب رواد المدرسة تجلت فكرة السلعنة عبر تمكن العقل الأذاتي من تشييء الإنسان، واستخدامه من قبل المؤسسات الاقتصادية والسياسية وأجهزتها الأيديولوجية، لضمان الوضع القائم.

فقد كان دور الفن مؤسسًا على المشروع التنويري، من تحرير الإنسان من الخوف والتعصب ومن السلطة المطلقة[7]. وهذا ما طبع الفن في المجتمعات الليبرالية قبل أن يفقد وظيفته، وأضحى زائفًا ومتماهيًا مع الوضع القائم، لخدمة الأيديولوجية السائدة. التي حولت الموسيقى والفنون بشكل عام إلى مجرد سلع تباع وتشترى في الأسواق والمحلات. إذ غلبت عليها الطبيعة التجارية عوض الوظيفة الاجتماعية والإنسانية.

إن واقع الموسيقى في المغرب وكسائر بلدان العالم، يجعنا نعيد التساؤل حول الواقع الاجتماعي الذي تعكسه هذه السيول الغزيرة من الفنون، هل يعد الواقع واقعًا؟ أم أنه أضحى مجرد صورة وهمية لما ينقل عبر المنتوجات الفنية! معنى ذلك أن معظم الدلالات التي يقدمها المنتوج هي حسب تعبير جون بوديال فوق الواقع، أي أصبح مجرد صورة إنتاجية هيمنت على حقيقته، وأصبح مجرد واقع يحوي عمليات الاصطناع[8]، التي خلقت الهوة بين الفن والمجتمع. فالعديد من الإنتاجات الموسيقية في السنوات القليلة الماضية، أحدثت انقلابًا على الحس الفني للمتلقي، والتي ساهمت دور الإنتاج وتدفق الأموال، على تعميمها وإيصالها على نطاق واسع إلى جل الشرائح المجتمعية. والتي لم يستطع بعض دعاة الفن المستقل من مواجهتها.

نعود إلى إعادة طرح السؤال من جهة أخرى، هل يحتاج اليوم المجتمع إلى الفن بمعناه الإنساني؟ قد نكون أكثر واقعية إن أجبنا بالنفي نظرًا لوتيرة الطلبيات المتسارعة اليوم والإقبال الكثيف على المنتوج الموسيقي الحالي ذي الطابع الاستهلاكي المفارق للواقع. دخول الفن داخل الدائرة الاستهلاكية المرتبطة بالسوق، واستلاب وبناء وعي زائف حول الواقع الاجتماعي، افقدته استقلاليته ووظيفته المتمثلة في إحداث صدمات اجتماعية أو سياسية ضد الأوضاع القائمة. سلطة المال و سلطة السياسة وسلطة المجتمع قيدت وكَبَحَتْ أي محاولة للفن من الانعتاق، فالأمر سيان اليوم، سيبقى تحرير الإنسان من السياجات السياسية والفكرية والاجتماعية رهينًا بتحرير الفنون والثقافة والفكر بصفة عامة، وسيبقى الفن رافعة للبعد النقدي للمجتمع ما دام بعيدًا عن سَطوة المال والسُلطة.

———————————-

[1] مارسيل غوشيه ، الدين في الديمقراطية مسار العلمنة، ترجمة د. شفيق محسن المنظمة العربية للترجمة ط1 2007، ص 43.

[2] مرجع نفسه ص 43.

[3] العَيْطَة فن مغربي قديم ظهر منذ عصور سلاطين المغرب وتبلور بقوة أثناء الاستعمار، الذي تعرض له هذا الأخير كنوع من المقاومة ضد المحتل، وهو لون غنائي يعتمد على أشعار تحمل معاني مرمزة لايفهمها إلا أصحاب الأرض كنوع من شفرة سرية بين المقاومين من النساء والرجال ضد العدو، من موقع:  تم تصفحه يوم 14 غشت 2018 على الساعة 14 مساء .

[4] الذي كان من رؤساء المغرب، حسب ما قاله عنه الصحافي الفرنسي أوجين لوبان بعد زيارة التي قام بهاإلى منطقة عبدة 1902. اذ يقول لوبان وأن عائلة القايد عيسى توارثت الحكم لمدة 60 سنة ، وأن السلطان مولاي عبد العزيز مده بظهير ليبسط سلطته على دُكالة والحمْرا والشْياضمة لتنضافإلى عبدْة. مقال تحت عنوان العيطة المغربية موسيقى ثراتية قاوما الاستعمار في الموقع التالي يوم 14 غشت 2018ـ 13:45:

المرجع السابق نفسه [5]

[6] يحيى بن الوليد من الفنإلى اللافن ، مقال منشور بموقع ضفة ثالثة يوم 10 يناير 2018 ، تصفحنا الموقع يوم 14 غشت 2018 على الساعة 15 مساء ، رابط الموقع:

[7] د.كمال بومنير، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، الدار العربية ناشرون الجزائر الطبعة الأولى 2010 ص 67 .

[8] جان بودريال ، المصنع والمصطنع ترجمة جوزيف عبد الله ، المنظمة العربية للترجمة ط1 2008 .ص 12 .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد