عزيزي القارئ، هل تذكر تلك اللعبة التي كنا نلعبها ونحن صغار، تلك اللعبة التي تحضر لها كراسي بعدد أقل واحد من الأفراد المتسابقين لترصها على شكل دائرة، وعلى موسيقى ما ربما تصفيق الحاضرين، يدورون حولها وعند انتهاء الموسيقى أو التصفيق، يسعى الجميع ليلحقوا بكرسي للجلوس عليه حتى يتبقى فرد واحد فقط يقف بلا كرسي وبذلك يكون هو الخاسر، تذكرت؟!

نعم يا صديقي إنها لعبة (الكراسي الموسيقية) قد تظنني جئتك اليوم بصندوق الطفولة البريئة أمر مرور الكرام لأجلب عليك نسيم النوستالجيا المحمل بالذكريات الجميلة، ولكني يا صديقي لا أخفيك سرًا أن صندوق ألعابنا لم يسلم من التراب، وقد جئتك بخبرين: الأول مفرح والآخر صادم، أما الخبر الأول هو أن لعبتنا القديمة (الكراسي الموسيقية) ما زلنا نلعبها أنا وأنت، أما الخبر الثاني أن الجميع قد جلسوا، وأنا وأنت ما زلنا نقف كالمذنبين بلا كرسي، وإن وجدنا فلن يكن سوى ذلك الكرسي الخشبي خشن الملمس غير المريح لنجلس عليه هناك في إحدى القهاوي!

عشرون عامًا وربما أكثر تمضي حياتك في التعليم، كل عام دراسي كان ينتهي كانت تنتهي معرفتك بمعلوماته القيمة عند باب لجنة الامتحانات، ثم تتخرج لتنتظر موقفك من التجنيد متمنيًا المرض قبل العافية، ومن ثم تخرج لتكمل مسيرة حياتك لتكتشف أنك ما زلت على أول طريق الألف ميل ولم تتحرك خطوة، فإذا أردت العمل فلا بد من واسطة وإن أردت الزواج فأنت بحاجة إلى نصف مليون جنيه فأكثر لتشتري شقة ومائة ألف جنيه فأكثر لتشتري سيارة لترحم نفسك وأهل بيتك من عذاب المواصلات، ناهيك عن تكاليف الشبكة والفرح -الذي سينتقده الجميع- وشهر العسل، كل ذلك وأنت لا تستطيع أن تدخر شيئًا من مرتبك إن عملت! أو من مصروفك الذي ما زلت تأخذه من والدك المشفق عليك، تعمل ليل نهار لتستطيع الزواج من خطيبتك، ولكنها تتركك آسفة حين يعود قريبها من الخليج، هنا تقرر السفر للعمل بالخارج لتتيسر لك العملة الصعبة بينما يتعسر عليك العيش وسط أهلك وأصحابك، ببركة دعاء الوالدين تحصل على التأشيرة وتغلق موضوع الزواج وتغلق على قلبك بنية ألا تعود إلى بلادك إلا حين تصبح جاهزًا لذلك القفص.

تطير هنا وهناك لتجد لقمة العيش، وكلما ادخرت مالًا وعدت إلى بلادك استقبلك الغلاء وارتفاع الأسعار فتعاود الكرة لتسافر من جديد، وفي النهاية تعود طمعًا في الاستقرار لتتزوج بفتاة تركت خطيبها من أجل عيون سيارتك وبراح شقتك -كما حدث معك من قبل-، ثم تنجب أولادك وتشعر كأنك تبدأ حياتك من جديد، وتعاود شريط الطفولة ولكن بخبرات الماضي متفاديًا أخطاءك السابقة على أمل أن ترسم لوحة رائعة لمستقبل أولادك في صفحة جديدة ناصعة البياض، وهنا تصدم حين يدخلون المدارس وتعرف أن تكاليف عام دراسي واحد يبلغ أضعاف تكاليف تعليمك من الحضانة إلى الجامعة لتعيش بين نارين وتصبح بين شقي رحى: أن تعيش في ديونك مرة أخرى أو أن يعيش أبناؤك مصيرك من جديد، وكأن الصعوبات التي واجهتك كبرت وترعرعت معك لتواجه أبناءك بحجمها العائلي.

الآن وقد واجهتك بحقيقتك المرة، ستنعي حظك وتندم على كل إجازة قضيتها تلعب وأنت تلميذ دون أن تعمل لعلك تدخر شيئًا لمستقبلك متحديًا نظرة المجتمع، وربما في المقابل ستندم أنك لم تقض دراستك تلعب الكرة في الشارع لعلك تصبح لاعب كرة محترف، وفي الحالتين ستندم معاتبًا المجتمع حولك الذي لم يعينك على تحقيق أحلامك بقدر ما حاربك، ولكن كيف جرؤت أن تعاتبه، فأنت الآن لست طالبًا بل مطالب بكل شيء والعالم حولك يعاتبك، فأنت المسئول عما وصلت إليه أو عما لم تصل إليه ولم تحققه، فأنت فاشل، أنت غاضب، هذا أنت، هذا أنت!

عشنا يا صديقي نلف وندور، وندور ونلف حتى أدركنا أن الحياة ليست بتلك البساطة وأن كل شيء له ثمن، فعملك يحتاج إلى واسطة، ومرتبك ستدفع عليه ضريبة ولن تتزوج إلا بمبلغ وقدره، حتى إنك لن تشاهد منتخب بلادك وهو يلعب في كأس العالم -للمرة الأولى في حياتك- إلا بالاشتراك في القنوات التي تمتلك إذاعته حصريًا أو أن تنزل خصيصًا لتجلس على القهوة أو الكوفي شوب لتشرب شيئًا وتتحمل الدخان والسباب حولك وأنت مدرك تمامًا أنك لن ترى الأهداف جيدًا، فحينها سيقفز الجميع حولك من الفرح، ولكن تكفيك تلك النشوة التي ستملأ المكان ومن قبله قلبك حين تشعر بتحقيق حلم أو هدف كان بعيد المنال، حلم ربما لن تفيق منه إلا عند دفع حساب فاتورة ما شربت!

عشنا يا صديقي نلف وندور حتى اجتمعنا من جديد بعد طول فراق -ولعل ذلك نصف الكوب الممتلئ- لنجلس سويًا ونعيد شريط حياتنا ونقيِّم تجاربنا باعتبارنا فريق التحليل في المباريات، ثم نضحك كأننا تحررنا من تلك الأفكار السلبية الضيقة التي حبسنا أنفسنا فيها، نضحك وقد كللنا عملنا في تلك الحياة بالرضا ولو لم يكلل بالنجاح، متمنِّين أن يعيش أبناؤنا حلمهم واقعًا، أنتظرك يا صديقي في مكاننا المعهود لنجلس معززين مكرمين ولن يقف أحدنا خاسرًا، فالقهوة تنتظرنا، تنتظر زبائنها، والزبائن دائما على حق ولو كانوا خاسرين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر
عرض التعليقات
تحميل المزيد