اركيولوجيا المقدس بين ميشال فوكو و محمد الطاهر بن عاشور

ترتهن عملية البحث وإنتاج الأفكار بمستوى الفرد على إدراك المحسوسات من مادة وأشكال مختلفة والمضامين المعرفية المنتشرة بين أصحاب المدارس الكبرى والمذاهب المتفوقة، إذ إن العقل البشري أصبح رهين رسكلة لمجموعة من المعلومات والأعراف المتداولة، التي ما زالت إلى حد هذه اللحظة وليدة العصر.

وقد ساهمت هذه المنظومة في بعث نمط مجتمعي تميز بكثرة عاداته وقلت بركاته، نمط عيش مشترك وسائل الإنتاج فيه عمومية يكون فيه عقل العامل رأسمالي بامتياز، هنا وفي هذه اللحظة نشعر أننا أمام نسق من المفاهيم القيمية أصبحت محل جدل وبحث أيضًا أمام مولود ولادته عسرت علينا عملية الإدماج المفاهيمي ودراسة آثاره ونتائجه الأولية.

فلسائل أن يتبين جدوى البحث خاصة أننا أمام مفترق من الإرهاصات المعرفية والشكليات المنطقية، التي لا طالما مهدت لنا الطريق نحو ربط الفكرة بالباث ومواصلة الحفر بين ثنايا الخطاب الديني والكتابات العربية، التي يكون فيها العقل العربي محلّلا لواقعه مدركًا للفجوة والعتمة التي ما زالت غامضة إلى حد الآن.

كان العرب أمام حتمية معرفية تشكلت بظهور ديانة الإسلام في الجزيرة العربية حتى توسعت هذه الديانة جغرافيا في مختلف بقاع العالم على البشر بمختلف عرقياتهم وخصوصياتهم الثقافية، لنجد أمام أعيننا بناء مصقولًا يسلك طريقًا للكونية وللعالمية الإسلامية على حد عبارة المفكر السوداني محمد أبو القاسم حاج حمد إذ إن أساس هذا التشكل ما كان إلا انعكاسًا قيميًا للحاجة البشرية على اكتساب القدسية الأيتيقية في تلك المرحلة والسيرورة التاريخية لتشكل العقل العربي المسلم في حين أن مفهوم القدسية قد تغير بتغير المناخ المعرفي والثقافي.

فلعاقل أن يتبين الحلقة التي تكونت إبان تكون الحقل الدلالي لمفهوم العدل والمساواة والعلم، التقاليد كذلك وغيرهم من المفاهيم القيمية في الإسلام ولعل أجدر مثال قول الله في القران: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنفال: 53]. وجاء هذا التغيير بتشكل جديد لمنظومة عقائدية تبعتها ممارسة جديدة وخطاب جديد لنسمع كلمات هادفة كالنعمة والثواب والأجر، فنحن إزاء تغيير واصطدام لخصوصيات مجتمعية أمام كونية وهوية إسلامية فمن واجبنا فهم النتائج التي تولدت من داخل هذه الإرهاصات المعرفية والثقافية من خلال الحفر في واقع القيم ومقارنتها بواقع المسلمين والعرب.

في هذه اللحظة يمكن القول أن العودة للإرهاصات والمضامين المعرفية جعلنا نعلن بداية مرحلة جديدة من البحث والحفر، وهو ما عبر عنه ميشال فوكو الحفريات بين المواضيع والخطابات، كذلك بين الأنساق المعرفية والممارسات العملية التي تشكلت تحت ضغط رجل الدين وطاعة ولي الأمر أو ما يعبر عنه لدى المسلمين السلطان وأمير المؤمنين اعتبارًا أن هذه الأنساق ما زالت إلى حد هذه الآونة محل جدال فكل مصلح تبنى هذه المسألة قد رفع من شان طائفته وقومه وهاجم الاجتهادات التي اعتبرت نقطة تحول في الفهم.

فهناك من دعا إلى إعادة التدبر في النص القراني تطبيقًا لقول الله في القران: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82النساء) كالعلامة التونسي محمد الطاهر بن عاشور الذي أكد من خلال كتاباته وأهمها كتاب مقاصد الشريعة الإسلامية على ضرورة استنباط المقاصد والأصول الفقهية والعقائدية للنص القراني إيمانًا منه بضرورة بفتح باب الاجتهاد والبحث مدركًا قدرة الإنسان على فهم النص من خلال واقعه وواقع مجتمعه، ليقول محمد الطاهر بن عاشور في هذا السياق من كتاب أصول النظام الاجتماعي في الإسلام: غرضي أن أبحث عن روح الإسلام وحقيقته من جهة مقدار تأثيرها في تأسيس المدنية الصالحة، ومقدار ما ينتزع المسلمُ بها من مُرشِدات يهتدي بها إلى مناهج الخير والسعادة، ولكن الإشكال الحاصل هو قصور العقل المسلم على فهم المقاصد الكبرى الحاملة لمجموعة من القيم الإنسانية المتأصلة في الممارسة البشرية.

ولعل أهم الأسباب هو عدم ملاءمة القيم الجديدة المعولمة لواقع المسلمين أو عدم ملائمة القيم الغربية لخصوصية هذه الهوية ومن هذه النقطة علينا أن نتبين مدى قابلية المسلم في القرن 21 على فهم واقعه وتصرفاته الواعية من زاوية أركيولوجية يكون فيه الفكر متحررًا من قيود السوق والعادات الرديئة، فالإنسان وليد لحظته بقول ميشال فوكو يبين تاريخ فكرنا بسهولة أن الإنسان هو وليد لحظة ابتكاره الأخيرة، إذا فلنسع إلى فهم هذه السيرورة التاريخية بفهم انساقها وخفايا طبقاتها المعرفية.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد