جماعة أُسِّسَت على أنها دعوية، وخرج منها مؤلفات لها قدرها في مختلف فروع العلوم الدينية. دخلت في السياسية لكن تجاهلوا أن الدعوة تُحَجِّم وتمنع الكثير من ألاعيب السياسة الماكرة والتي غالبًا تَخرج عن القيم وتُظهرها بمظهر المتناقض المنافق. ونسوا أن الخطأ منهم يضاعف تقديرًا لأن ذلك يخدش دعوتهم ويشوهها، ومع ذلك كابروا واستمروا وبرروا وزادوا على التبرير الكذب. وتعلموا المكر والعمل في السر حتى ولو بدون داع.

ولأن قاداتهم فضلوا السياسة على الدعوة، تغيرت فتاواهم بمرور الزمن. وتساهلوا مع فتاوى التعامل مع الأقباط والعلمانيين حتى يجدوا مكانًا بينهم. حتى عقائدهم أصبحت تجد فيهم من قارب العقائد الصوفية. ثم ظنوا في أنفسهم علو المكانة الفكرية والثقافية والدينية والسياسية، فتعالوا على الناس بعد ثورة مكنتهم من نفوذ ظنوا أنه دائم… أو سيطول.

أسسوا سرًا جناحًا عسكريًا، ولأنهم بشر، فالسلاح يطغى على حامله فيظن في نفسه القوة فتغلب على الحكمة والعقل. ومن فضل الله خدموا الدين والدولة في حرب فلسطين وأوقات الكفاح والاشتباك مع الانجليز، لكن كالعادة، ولأن الأصل أن السلاح للدولة، فاصطدموا بها أكتر من مرة فترات الخلاف الداخلي. وكالعادة أيضًا، خسروا، وطُحنوا أكتر من مرة.

لا يحاسبون أنفسهم بشكل حقيقي خاصة إن كان الخطأ من صف القيادة. مصطلح «اللي فوق عارفين وفاهمين عننا وأكيد ليهم رؤية» ساد عليهم بشكل مَرَضي مسرطن، وأصاب القواعد والشباب عندهم بعجرفة غريبة ملحوظة جدًا في سلوكهم لا يداريها إلا أصول طيبة وأعمال خير استدام الجانب الدعوي عندهم على القيام بها وتوسعتها فتحبهم وتميل لهم جدًا في البداية… فقط حتى لحظة الصدام الفكري.

ظل الجناح العسكري متحكم داخليًا في سياستهم، وطفا عليهم مرةً أيام مبارك فأقاموا استعراضًا كأنه عسكري داخل جامعة بزي أسود في مشهد من أحمق مما تتوقع. وبالطبع فقد طحن الأمن الشباب الصغير سنًا وفكرًا. و«عيب ننتقد القيادات اللي حرضت على ده»، «أصلهم عارفين بيعملوا إيه».

لا تجد لهم حسنة إلا أفسدوها بسيئة، أو سيئات، كشجر الليمون، أكثره شوكٌ فلا تنل منه ثمرة إلا بأذى. التنظيم الذي ساعد على حماية الحشد في التحرير يوم معركة الجمل (حتى قال عدوهم ساويرس أنه لن ينسى لهم هذا الجميل العظيم)، هو نفسه الذي غرهم وجرأهم على النزول في مواجهة مباشرة مع متظاهرين ضدهم، وجرأهم أكتر وظنوا أنهم يستطيعوا تهديد وتخويف قيادات الجيش والمعارضة الفاشية الفاجرة عن المواجهة. وبدلًا من الكر والانسحاب لصالح البلد، غرتهم أنفسهم وقالوا نحن أكثر عددًا، و«طبعا القيادات عارفة هي بتعمل إيه».

وبعدما أخدوا «القلم» العاشر، لا زالوا يكابرون، لا زالوا يضحون بمن في السجون حتى لا يقال أنهم تراجعوا وانهزموا، أصبحت المظلومية طبعًا محببًا.

كلما ضاق الخناق عليهم، يظهر الفساد وتطفح مجاريهم على السطح، «المرمطة» أحيانًا تكون عنوان علاقاتهم في الخارج. انتخابات مزورة وبلطجة وتكذيبهم وأذيتهم لبعض لدرجة طرد أحد الحيتان في السودان لشباب هارب من أحكام وقضايا بسبب انقسام على القيادة التي هي في بريطانيا أصلا. وتودد علني لدول خارجية متآمرة علينا دون حفظٍ لماء الوجه لدرجة الذهاب إلى الكونجرس برابطة عنق ملونة بعلم أمريكا.

ظلوا يستعدون كل الفصائل، حتى التحالفات انفضت بسبب المفارقات بين الوعود وبين التنفيذ،إن قلتَ مشاركة لا مغالبة وفزتَ بانتخابات كراهية ليس بتأييد كامل أو حبًا لك، فلم قولك بعدها أن لك مطلق الحرية في اختياراتك؟ الإنكار ليس على حقك، الإنكار على تجاهلك وعدك، على تجاهلك – كواحد من ألف الأمثلة – من عينتهم أذرعًا ومستشارين ثم لا يعلم من منهم لم ينتم إلى جماعتك  شيئًا عن أي قرار يؤخد أصلًا!

علموا تمامًا نتيجة اختياراتهم مسبقًا، قال ذلك أصغر وزرائهم عن يقين وثقة غريبة كأنها كانت الاختيارات الأصوب! وأنه من العادي أن يكون بعدها دماء وسجون وطغيان. اختاروا أن تَخرُب البلاد عليهم وعلى من عارضوهم وظلموهم عن أن ينسحبوا ويفوتوا فرصة انقلاب ذهب بالبلاد في داهية وجعلنا نحيا في أجواء مليئة بالظلم والقهر والاكتئاب، فقط لأنهم لن يقبلوا بانتصار المعارضة الغشيمة، فاختاروا الهزيمة الساحقة عن الانسحاب والكر.

قال شيخهم: لو جاء دستور 2014 بالقرآن والسنة فقط لرفضنا لأنه جاء من غير ذي صفة! أي لا يهم أن يطبق الإسلام، المهم أن نطبقه نحن.  وكان ذلك أحد مسامير نعش دعوتهم التي شُوِّهت حتى في أصولها وهدفها.

تعجب من الخارجين من عباءتهم، إما أن يتفحشوا في عداء الجماعة والسعي في كشف المستورات على شكل فضائح وبلايا، أو تتفحش الجماعة نفسها مع الخارجين عليها في صمت مكتفين بإظهار بعض أسباب الخروج الموضوعية في شكل انتقاد لا يخلو من ثناء على أصل الدعوة وأيام خير عاشوها معها.

تمت السيطرة تمامًا على مجريات الأمور، لم يعد رئيسهم كما زعموا وأقسموا وتحدوا، ولا زالوا لا يرون ذلك ضعف بصيرة وقلة حيلة. كلٌ مشغولٌ في همومه الآن، من في الخارج ينحتون في الصخور لتأمين الحياة في غربة مريرة، ومن في الداخل يعانون من السجون وزيارتها، أو الخوف من دخولها.

ولا زالت المكابرة مستمرة. خطابهم يبعث فيك الإحباط وفقد الأمل في أي تغيير. لا تعلم ما هي أولوياتهم، لكنك تعلم أن معتقلي اليوم والمستقبل ليسوا منها. لا تحدثني عن خطاب، فقط حدثني عن قرار وخطة. ثم يعتصرك أيضًا ذلك الألم الذي يعتريك من كلام من يذكر منهم الآن أنه نبههم لما سيجري، ثم جاراهم فيما فعلوا طاعة لهم وكأن القطار سيقف حينما تكثر الضحايا!

الطاعة على بصيرة بالفساد أشد فسادًا من الطاعة العمياء.

ماذا لو تعرض بلطجية لأسرة بهدف الاستيلاء على سيارتهم، وهددوا صاحبها بتجنب المقاومة حتى لا تتعرض أسرته للخطر، ثم قاومهم – من أجل السيارة – فقتلوا أسرته. إن كنت من أهل زوجته كيف تكون نظرتك له؟ وهل يعني الاتكال عليه التبرير للبلطجية أو يتعارض معه؟

حين تنبه لأخطائهم، لا يفوتك الاعتراف بأنهم دفعوا أثمانًا باهظة ظالمة لها، لكنهم لا يكتفون بذلك فيتهموك حتى تتأذى مثلهم. كل من تنحى عن دعمهم خائن للحق، وكل من حذرهم مدَّع خبيث الهدف، وكل من قال لا نبتغي دربكم فاسد متآمر. لكن كل من ورطهم وورطنا في هذا البلاء معذورون أو لا داع لنقدهم ونقضهم الآن حتى لا ينشق الصف المتفتت!

قال عجوزهم، لقد قصرنا بالفعل، إذن لنترك الساحة للشباب حتى يسيروا في نفس الطريق.

إن كنت تريدهم أن يسيروا في نفس الطريق فما الفرق إذن أن تتغير القيادة؟ كفى!

وأخيرًا،

صحيح أن أكذوبة   «3/7 تحقيق لمطالب 30/6» لا تقل حماقة عن أكذوبة «مرسي راجع»، لكن لا يتساوى تحرك من خارج السلطة بمن داخلها. فتجاهل مطالب منطقية أدى إلى التصعيد بمطالب مبالغة تصيدها المجرمين من الصراع وسيطروا على الأمور.

قال الدكتور محمد يسري سلامة رحمه الله: «عما قريب سيجتمع الشرفاء من الإخوان والإسلاميين مع الشرفاء من جبهة الإنقاذ وغيرها في السجون والمعتقلات، حينها سيتسنى لهم مناقشة خلافاتهم جيدًا».

 قد تم الاجتماع في السجون، لكن لم تتم المناقشة، فهل ينقص بند الحوار أم ينقص بند الشرفاء؟

لا يوجد بريء، الكل يده ملطخة بتلك الدماء، بالتورط أو بالتقصير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد