فجّر الدكتور جمال عبد الستار القيادي بالإخوان وتحالف دعم الشرعية مفاجأة في تصريحه بُعيد اغتيال مجموعة من قيادات الإخوان في مدينة السادس من أكتوبر بمطالبته بحل جماعة الإخوان ثم تبعه بعد ذلك في هذه التصريحات القيادي الآخر الدكتور أشرف عبد الغفار وقال إن اقتراحًا مماثلًا يُناقش داخل الأروقة وأن هناك قيادات أخرى موافقة على هذا الاقتراح ولكنهم لا يتحدثون في الأمر علنًا.

بعدها بفترة وجيزة تراجع الدكتور عبد الستار عن تصريحاته ونفى وجود مجرد اقتراح بحل الجماعة وأن هذا اقتراح غير منطقي، وصرح أيضًا بأن كلامه فُهم خطأ وأخرج من سياقه.

 

اقتراح كالذي قاله الدكتور عبد الستار لا يجب أن يمر مرور الكرام، بل لا بد من التوقف معه لمعرفة سبب اقتراح كهذا؟ وما العائد منه؟ وهل سيُفيد البلاد والحراك الحاصل في الشارع أم سيكون ضررًا عليه.

الدكتور عبد الستار طالب بحل الجماعة معتبرًا أن هذا سيعطي الحرية لشباب الإخوان ليلعبوا بالسيسي الكرة في الشارع أو بالمعنى الدارج “يلعَّبوا السيسي على الشناكل”، يُشعرك هذا التصريح بأن شباب الإخوان مكبلين من قبل قيادتهم ولا نعرف بالتحديد ماذا يريدون وتمنعهم قياداتهم؟ هل يريدون تطوير الحراك في الشارع وإكسابه زخمًا أكبر وتوسيع القاعدة الثورية؟ هل يريدون حلًا ما مع نظام الانقلاب؟

هل يريدون حمل السلاح على نظام الانقلاب ومقاومته عسكريًا؟ هل يريدون تطوير ما بات يُسمى بالعمليات النوعية دون التوسع فيها؟ كل هذا قد يطرأ على الذهن، لكن مع وضع التصريحات في السياق التي قيلت فيه وباقي التصريح يشعرك أنه يتحدث عن الأمرين الثالث والرابع، تصريح كهذا يحتاج لتحليلات وتساؤلات وتأمل عميق في محتواه ومعناه.

فكرة كفكرة حل الجماعة لا يجب أن تنفرد بها القيادة وتصبح هي التي تحدد هذا الأمر تقبله أو ترفضه، هذه جماعة تضم مئات الآلاف على الأقل تربوا بداخلها وعاشوا في كنفها سنين، هي ملك لأعضائها بالأساس والقيادة مفوضة لتسيير الشؤون الإدارية ووضع الخطط والاستراتيجيات، فقرار كهذا لا يناقش في غرف مغلقة ومع أشخاص محددين، بل يُطرح على القاعدة جمعاء وهي التي تقرر، ودعك ممن يقول أن الظروف الأمنية لا تسمح لأن جماعة وتنظيمًا دقيقًا كالإخوان لن يَعدموا طريقة ليتواصلوا بها مع القاعدة ويقرروا أمرًا كهذا، يجب على الجماعة وقياداتها أن تخرج من طور تهميش القاعدة وجعلها موظفين كل أهميتهم أن ينفذوا ما تمليه القيادة حتى ولو اعترضوا عليها رغم أن بعضهم شارك في انتخاب هذه القيادة.

تابعت بعد هذا التصريح للدكتور عبد الستار تصريحات أخرى توضيحية وأخرى تبريرية وثالثة تفسيرية كلها تشير إلى أن الاقتراح حينما قيل كان المقصود منه أن حل الجماعة سوف يوصل رسالة للخارج والداخل أنه ليس صراعًا بين جماعة الإخوان التي حُلت وبين الانقلاب إنما هو صراع بين جموع الشعب وقوى انقلبت على الشعب واختياراته فينضم كثير من الشعب لهذا الحراك ويصبح ثورة هادرة، أما الخارج فلا يجد حرجًا من دعم الثورة لأن الجماعة التي كان يتخوف البعض من توجهاتها السياسية وخصوصًا قضية فلسطين وإسرائيل قد خرجت من المشهد بعد حلها، وكان المقصود أيضًا رفع الجماعة يدها وإخلاء مسؤوليتها في حال تطورت الأحداث في مصر باتجاه الحرب الأهلية بسبب تصرفات نظام الانقلاب وقائده السيسي.

هذا قد يكون غرض بعض المطالبين بالحل، وعند تحليل السبب تجد فيه معضلة رئيسية، فهل يقصدون بحل الجماعة هو الحل الإعلامي فقط بينما تظل الاجتماعات التنظيمة والهياكل الإدارية كما هي، أم يقصدون الحل الكامل الإعلامي والإداري؟

لو يقصدون الحل الإعلامى مع بقاء التنظيم والهيكل والإدارة ولكن تحت مسمى جديد أو حتى بدون مسمى، هذا الحل قد يكون المقصود منه بالأساس هو الخارج لإقناع بعض الدوائر الخارجية بعدم وجود الإخوان في الصورة وبعدهم عن الحراك في الشارع، وهذا قد يجعلهم يدعمون الحراك بشكل أفضل ويضغطون على السيسي من أجل تحسين الوضع الديمقراطي والحقوقي والإنساني بالبلاد، أما الداخل المصري فحل الجماعة قد يقنع جموع الشعب التي تظن أنه صراع بين الإخوان والسيسي على الكراسي وليس صراعًا على قيم الديمقراطية والحرية والكرامة فتنضم للحراك ويتحول إلى ثورة لا تبقي ولا تذر.

 

أصحاب هذا الاقتراح لو فكروا هكذا إما إنهم يعيشون في عالم الأحلام على أحسن تقدير أو مفرطون في السذاجة على أسوء تقدير، وكأن قوى الخارج ليس لديها أجهزة مخابرات تعد على الشعب المصري أنفاسه وتسبر أغواره، وكأن هذا الخارج ليس لديه مراكز أبحاث واستطلاعات للرأي تدرس الحالة المصرية وتراقب سكناتها وتحركاتها، وكأن هذا الخارج ساذج وغبي وسيصدق كل ما يُقال دونما نظر لما يحدث على الأرض وليس ما يُقال في الإعلام.

أما الداخل فمشكلته الآن لها أبعاد كثيرة ليس سببًا بُعدُه الرئيسي عن الحراك هو تصدر الإخوان له، قد يكون هذا سببًا لدى البعض أمام جموع الشعب والتي يعني انضمامها للحراك ثورة، أما الأسباب الأساسية هي القبضة الأمنية الشديدة وفقدانهم لبصيص أمل ولتأثير الحراك على الأرض، كذلك تجربتهم مع الثورة لم تكن جيدة فجعلتهم يركنون ليكون الوضع كما هو على اعتبار أنه ليس في الإمكان أكثر من هذا، وماذا جلبت لهم الثورة الأولى من خير وتحسن ليُقدِموا على ثورة ثانية، أو بمعنى أحرى إحساسهم بأن الأمر برمته لا يعنيهم ولا يفيدهم بشيء في تحسين بؤس حياتهم، الداخل لديه أسبابه التي لن يكون الحل الإعلامي منفردًا هو المغير لهذه الأسباب لينضم للحراك وتقع الثورة.

ولو تحدثنا بصراحة أكبر وأرادت قيادات الجماعة أن توصل رسالة للداخل بأنه ليس صراعًا على الكراسي وتوصل رسالة للخارج عن بعدها عن تصدر المشهد الحالي فلتتنازل عن عودة الدكتور مرسي رئيسًا لمصر، على الأقل هذا سيجمع حولها باقي القوى السياسية والثورية التي تعارض الانقلاب وتراه انقلابًا ولكنها لا تريد مرسي والجماعة وستخرج الجماعة نفسها من جدلية الكراسي وستكسب ود بعض الدول وخصوصًا العربية التي ترى أنه حان وقت إصلاح الأوضاع في مصر بشرط ابتعاد الإخوان عن صدارة المشهد.

أما الحل الإعلامي والإداري والذي يعني خروج الجماعة من المشهد تمامًا لا لقاءات تنظيمية ولا هياكل إدارية ولا اجتماعات دورية، الجماعة تحل نفسها وتعطي لأفرادها الحرية وتحل يدهم من كل ارتباط تنظيمي وإداري.

هذا النوع من الحل من الصعب الاعتقاد بأنه سيصب في مصلحة الحراك في الشارع، فمن أهم أسباب استمرار الحراك حتى الآن قوة ودقة التنظيم وانتشاره الجغرافي، من أهم أسباب صمود المعتقلين هو ترابط التنظيم ورعايتهم لأسر المعتقلين وعوائلهم، من أهم أسباب الصمود في الشوارع هو الترابط التنظيمي والمتابعة الإدارية التنظيمية للأفراد، من أهم أسباب فضح الانتهاكات الحقوقية والإنسانية منذ الانقلاب وحتى الآن واستمرار التغطية الإعلامية هو دقة تنظيم الجماعة وقدرتها العالية على التواصل وجمع المعلومات، من أهم أسباب الانتشار الخارجي للفعاليات الرافضة للانقلاب هو التنسيق الإداري والتواصل المستمر، من أهم أسباب عدم تحول الصراع إلى صراع مسلح هو قدرة الجماعة والتنظيم على السيطرة على الأفراد ولجم نزواتهم وإقناعهم بصحة وسلامة المسار الحالي.

 

لكل هذه الأسباب – وخصوصًا الأخير – ليس من اليسير تصديق أن الحل الإداري والإعلامي سيكون في مصلحة الحراك وتحويله لثورة.

 

إلا إذا كان القصد من الحل هو إطلاق يد الأفراد وخصوصًا الشباب في الانتقام من الانقلاب ومعاقبة أفراده وهيئاته على ما ارتكبوه بحق الوطن والمجتمع والجماعة من جرائم، وعندما تكون الجماعة قد حُلت فلن تتحمل عواقب هذه الأحداث في الخارج لأنها لا تسيطر على الوضع في البلاد ولأنها خرجت من معادلة الحراك كجماعة وتنظيم، وقد يكون هذا هو المقصود عندما قال الدكتور عبد الستار بأنه عند حل الجماعة سيلعب الشباب الكرة بالسيسي في الشوارع، وهذا الأمر له حديث آخر يُستكمل في الجزء الثاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد