الذين تحدثوا عن حل الجماعة كانوا يريدون توصيل رسالتين، الأولى أنهم ابتعدوا عن المشهد الحالي وخرجوا منه وبالتالي يرفعون الحرج عن بعض الدول لتتدخل وتضغط على نظام الانقلاب لتحسين الحالة الديمقراطية والإنسانية والحقوقية في البلاد، كذلك إشعار الداخل المصري بأن المعركة ليست جدلية بين الإخوان والعسكر بل هي بين حق الشعب المصري في الحرية والكرامة والعدالة وبين عسكر لا يريدون لهذا الشعب أن ينعم بهذه الحقوق.

الرسالة الثانية وهي موجهة للخارج على الغالب مفادها أن الجماعة حلت نفسها وخرجت من المشهد التنظيمي والإداري والقيادي للحراك الحادث في الشارع المصري، وبالتالي فهي لا تملك السيطرة على الشارع وتفاعلاته، فالجماعة ترفع عن نفسها الحرج وترفع يدها في حال تطور الأحداث في البلاد وانتقالها إلى حالة الكفاح المسلح أو الحرب الأهلية خصوصًا مع حالة السعار التي تنتاب نظام الانقلاب العسكري الذي يبدو أنه بدأ يتجه لفكرة التصفية الجسدية المباشرة للقيادات والأفراد، ومع عدم استبعاد تنفيذ أحكام الإعدام بحق الرئيس المنتخب محمد مرسي وقيادات الإخوان، وملامح فقد السيطرة العسكرية على سيناء وتوسع وانتشار عمليات ولاية سيناء وتحديث قدراتها وتغيير تكتيكاتها العسكرية والذي قد يؤدي هذا التطور أن نُفاجأ يومًا ما برفع أعلام الولاية فوق قسم شرطة الشيخ زويد أو فوق المجلس المحلي لمدينة العريش.

 

 

ناقشنا الرسالة الأولى في الجزء الأول من المقال، وفي هذا الجزء نناقش الرسالة الثانية، ولكن قبل الدخول في الموضوع لا بد من تحرير مسألة مهمة قد تكون خارج سياق الموضوع نوعًا ما، لكني أظن أنها قريبة من الموضوع ولا بد من الحديث عنها.

فلو فرضنا جدلًا أن جماعة الإخوان مع اشتداد الحال بها واستمرار النظام في اغتيال وتصفية قياداتها أو إعدام من هم تحت أيدي سلطة الانقلاب من المعتقلين، واستمرت السلطة وتوحشت وتوسعت في الاعتقال والتعذيب والتشريد والاغتصاب وقطع الأرزاق، وزادت حالات الإهمال المتعمد المؤدي إلى موت المعتقلين السريع والبطيء، وازداد تواطؤ وسكوت وخنوع المجتمع الدولي حيال الانتهاكات الجسيمة في مصر، لكل هذا قررت الجماعة مواجهة بطش الدولة وسعارها بالسلاح، هل في هذه الحالة تعتبر جماعة الإخوان إرهابية، هل يمكن اعتبار ما حدث كفاحًا وثورة مسلحة مثل سوريا وليبيا، أم يُعتبر حربًا أهلية بين مكونات المجتمع المصري؟

 

التعريفات الأكاديمية للحرب الأهلية والكفاح المسلح والإرهاب تعريفات مطاطة وغير محددة ولا توجد معايير محددة للتفريق بين الثلاث حالات، متى يعتبر حمل السلاح في وجه الدولة إرهابًا ومتى يعتبر كفاحًا مسلحًا ومتى يعتبر حربًا أهلية؟ في حالة الإخوان التي افترضناها مثلًا، سوف ينظر لها البعض كحرب أهلية بين مكونات المجتمع وسيخسر منها الجميع وسيكون رد البعض عليهم أنه حق طبيعي وبديهي للإنسان أن يدافع عن نفسه ويرد الاعتداء، وهذا الحق مقرر في كل مواثيق حقوق الإنسان الدولية، وأيضًا أليست الدولة هي التي انقلبت على إرادة الشعب وصندوقه الانتخابي، ثم قتلت وشردت وحرقت واغتصبت وصادرت المجال العام وألغت الحريات، وجربنا معها المقاومة السلمية والتظاهر واللجوء للقضاء والتواصل مع العالم الخارجي والدول الكبرى للحصول على حقنا بسلمية فلم يزدهم هذا الأمر إلا سُعارًا، وبالتالي فلا حل إلا مقاومتهم بالقوة والسلاح، أوليس هذا ما حدث في سوريا، بدأت سلمية والنظام البشاري هو من اضطر الثوار لمقاومته بالسلاح، لماذا إذًا تعتبرون ما حدث في سوريا ثورة وكفاحًا مسلحًا، ولو حدث أمرًا مشابهًا في مصر هو حرب أهلية.

الذين ينظرون لما حدث في مصر على أنه ثورة وكفاح مسلح يبنون تصورهم على ركيزتين أساسيتين، الأولى أن نظام الانقلاب لا تنفع معه السلمية جربناها معه ولم تزده إلا بطشًا وفتكًا وقتلًا للثوار، سنتين من الحراك لم نجن منهما شيئًا سوى مزيد من القتل والاعتقال والتشريد والتضييق، وقد جربنا السلمية ولم تحرز تقدمًا فلم لا نجرب السلاح كما جربه غيرنا، وما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، الركيزة الثانية أن العالم الخارجي لم يبال بثورتنا ولم يبال بحقوق الإنسان التي انتكهت منذ الانقلاب، فهو المخطط والمنظر للانقلاب من البداية والداعم له حتى الآن، كل ما يهم الخارج مصالحهم واستثماراتهم، والحراك السلمي في الشارع حتى الآن لم يلمس مصالحهم ولم يقترب منها وبالتالي فهم لا يعبأون به، أما في حال رفع السلاح فستتغير هذه المعادلة تمامًا وستصبح كل السفارات والقنصليات والرعايا والشركات والمصالح تحت التهديد، وقناة السويس لن تكون بعيدة عن يد الثوار، وهنا سيهتم العالم وسيبذل كل جهده لوضع حل للمعضلة المصرية.

المعارضون لهذا الاتجاه يرون أن حمل السلاح في مواجهة الدولة الانقلابية لن يتحول لثورة إلا إذا انضمت إلى هذه الفكرة جموع الشعب أو على الأقل وافقت عليه، لتكون حاضنة شعبية قوية للثوار وليست شوكة في خاصرة الثوار، والشعب المصري لم يعرف ولم يتعود في تاريخه على الثورات المسلحة التي يحمل فيها الشعب السلاح على الدولة، فلو حدث هذا في مصر فسيتكرر النموذج الجزائري أو نموذج الجماعة الإسلامية في مصر، سيحمل الإخوان ومؤيدوهم السلاح وسينبذهم الشعب وبالتالي يسهل على النظام محاصرتهم والقضاء عليهم نهائيًا.

 
وتسويق نفسه في الخارج بمحارب الإرهاب هذا الشعار الذي يكسب رافعوه كثيرًا هذه الأيام في الساحات الدولية، ناهيك على أن فكرة حمل السلاح في وجه نظام الانقلاب يجب أن يتفق عليها كل المعارضين للانقلاب حتى يكونوا دافعين وممولين ومساعدين لهذه الثورة المسلحة كما هو الحال في الوضع السوري، لكنهم في مصر متفرقون ومتباعدون ومتناحرون ولا يستطيعون أن يجلسوا على مائدة واحدة، فكيف سيتفقون على أمر كهذا، كذلك وما أدراك لو أشهرت السلاح في وجه نظام الانقلاب أن العالم الخارجي سيخاف على مصالحه ويتجه لحل الصراع؟ العالم الخارجي كان متخوفًا بشدة من فض ميداني رابعة العدوية والنهضة بالقوة قد يؤدي لتطور الأحوال في مصر وخروجها عن السيطرة، فلما حدث الفض ولم يقع التخوف سارت الأمور بسلاسة وأصبح هناك يقين لدى هذه الحكومات أن ما كان يخافونه غير وارد للحدوث لا الآن ولا مستقبلًا.

 

 

ويعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن رفع السلاح في وجه الدولة الانقلابية هو قُبلة الحياة لنظام الانقلاب، سيُصدّر هذا الحدث للعالم الخارجي ليكسب التعاطف والدعم والتأييد تحت دعوى محاربة الإرهاب، سيُسوَق الأمر في الخارج على أن مصر بها إرهاب كما في سوريا والعراق، ويجب على العالم دعمه بكل السبل والطرق، سيكسب كثيرًا الانقلاب لو رفع الثوار في وجهه السلاح.

 

يرى أصحاب هذا الطرح أن المشكلة ليست في قوة نظام الانقلاب وجبروته وبطشه فبالتالي هم يرفضون رفع السلاح عليه، وإنما المشكلة في تفرق وتشرذم وتفتت القوى المعارضة له، المشكلة في عدم قدرتها على الحوار والجلوس على الطاولة لمناقشة كل السبل والطرق لدحر هذا الانقلاب، المشكلة في تشبث كل طرف بموقفه والقطع بأنه هو الصواب والآخر خان الثورة وباع الدماء، لو كسر الثوار الحواجز بينهم فسيستطيعون كسر الانقلاب.
من هذا الحوار ننتقل لمناقشة الرسالة الثانية التي كان يريد المطالبون بحل الجماعة إيصالها للخارج بأنهم غير مسؤولين عما سيحدث في مصر، وبأنهم قد خرجوا من المعادلة ولا سيطرة لهم على الأوضاع، وليتركوا الثوار في الشارع ليفعلوا ما يريدون بنظام الانقلاب.

 

سنرجع إذًا لنطرح السؤال الذي ناقشنا حيثياته في المقال السابق، هل سيكون حلًا إعلاميًا أم حلًا تنظيميًا إداريًا، الحل الإعلامي هو أن تحل الجماعة نفسها في الإعلام فقط وعلى أرض الواقع هي موجودة بكل هياكلها وبدقة تنظيمها، فمن يظن بأن العالم الخارجي سينخدع بهذا الحل الإعلامي وستنطلي عليه الخدعة فهو واهم، وسيسهل تحميل الإخوان كل ما سيحدث في البلاد حتى ولو كانوا هم ضحايا بعض هذه الأحداث.

أما الحل الإداري التنظيمي فنناقشه في المقال التالي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد