كثير ما أحجمت عن الحديث عن الإخوان المسلمين، رغم ما يربطني بهذا الملف من صلات ومعلومات، فقد كنت أكتفى بالحديث والحوارات المباشرة للمعنيين والمهتمين من الإخوان ومن غيرهم، لكن المتغيرات المتسارعة والكثيفة أبت أن يكون ذلك كافيًا.

رغم ما خبرته وعرفته وشاهدته عن جماعة الإخوان المسلمين ما زلت متعجبًا كيف أصبحت تلك الخلافات الأخيرة لها مثل هذه الأولوية، فحجم البيانات والتصريحات الأخيرة ربما يضاهي حجم ما صدر منذ الانقلاب العسكري بل ربما منذ 25 يناير 2011.

أحيانًا أٌقف مع نفسي أضرب كفًا بكف، حين أجد رموزًا وقامات لها فضل وخبرة وتاريخ تتحدث الآن بالساعات وعشرات التصريحات والبيانات حول لوائح وقرارت ولجان تحقيق داخلية ومن له الحق في الفصل والتجميد والتحقيق، ومن له المرجعية في هذه الأمور، أتعجب فعلاً وكأني غفوت ثم استيقظت فجأة وأتساءل أكنت في كهف وخرجت منه بعد عشرات السنين أم ماذا؟!.

أسأل نفسي ولا أخاطب أحدًا، كيف كانت الأحوال قبل أن يكون هناك متحدث شاب اسمه محمد منتصر أو آخر ينازعه اسمه طلعت فهمي أو أن هناك مكتبًا في الداخل أو في الخارج، وكيف كانت الأحوال قبل أن تكون هناك ما تسمى اللجنة الإدارية العليا، أسأل نفسي بصدق عندما كانت هناك جماعة واحدة كلها في الداخل لها مرشد واحد حر طليق ومكتب للإرشاد ينعقد بشخوصه دوريًا ويتخذ القرارات ومعه مجلس للشورى العام ومجالس للشورى في كل محافظة ولجان مركزية تتحرك بحرية وحالة ثورية في الشارع ثم أغلبية برلمانية ثم رئيس منتخب.

ترى كيف كان الحال وقتها، هل كنا نعيش في حرية وعدالة ونهضة، ما الذي جعل العسكر يتمكنون من رقابنا بهذا السفور والبجاحة ويطلقون الرصاص ويرتكبون المجازر دون قدرة وفاعلية على الحركة والتأثير بالقدر المناسب للحظة التاريخية، هل كان هذا المشهد سببه لائحي؟! أو لعل خطئًا في تطبيق اللائحة سبب في الانقلاب العسكري، لا أعرف لِمَ لَمْ تتحدث اللائحة وتخبرني بالحل الناجع لإزاحة حكم الاستبداد والفساد والحكم القمعي العسكري.

لقد تعرض الإخوان لِكَمّ هائل من الحوارات الداخلية والنقاشات وما تسمى بوضوح الرؤية، ولا أعرف أي رؤية تلك التي تحتاج وضوحًا كل ساعة وعند كل حدث وموقف وسكنة وحركة، لقد كانت النقاشات والجلسات تعرض ما تقول إنها معلومات ودائمًا ما تخفى هذه المعلومات عن كثير، كانت يومًا ما معلومات يُقال إنها من داخل المجلس العسكري وأخرى من المطبخ الدولي وغير ذلك كثير، الآن انتقل المطبخ نفسه والماكينة نفسها لينقل وضوحًا جديدًا للرؤية، لكن هذه المرة من داخل المطبخ الإخواني، فالمعلومات تترى والحقائق عن طرف وعن شخص وعن مجلس وعن قرار، ويبقى السؤال بعد مرور ما يقرب من ال5 خمس سنوات من ذكرى اندلاع ثورة يناير، لماذا لا نسأل أنفسنا الأسئلة الصحيحة دون أن نتحجج بالوقت غير المناسب دائمًا.

لقد كشف الحكم العسكري عن ضغوط هائلة على المجتمع  وعلى الإخوان وعلى أي ناشط متطلع للحرية والعدالة فصديقي الإخواني أنس القاضي والأخرى ماهينور المصري الاشتراكية والباحث إسماعيل الإسكندراني الذي لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وغيرهم كثيرون هم في قبضة الظلم والاستبداد ولا علاقة لهم بلائحة الإخوان والقرارات الموقعة بخط النسخ أم الرقعة، هل ألوف وملايين الإخوان الصامدين بكل قوة وثبات في السجون والميادين والمطاردين ينتظرون نصًا في اللائحة أم ينتظرون أجوبة حقيقية عن أسئلة يبدو أن هناك من لا يريد طرحها، من هذه الأسئلة:

– كيف وصلنا إلى مسار الانقلاب والحكم العسكري؟

– ما الذي علينا أن نراجعه في النهج السياسي والمشروع والخطاب والتحالفات والقيادة والرموز والأدوات المؤثرة والتحركات والتكتيكات؟

– هل كانت الشورى – التي تتم فعلاً ويحرص الإخوان عليها – تمارس في أفضل صورة أم أن الشورى اتخذت قرارات ثبت بعدها أنها كانت غير دقيقة أو استندت إلى معلومات وتحليلات خطأ أو وضعت افتراضات وتوقعات لم تكن صائبة؟

– هل كانت القيادات العليا والوسطى من الشباب أو الشيوخ مهيأة للمهام والأدوار التي تصدوا لها؟

– لماذا لم تمتلك الجماعة مراكز محترفة للتدريب على مهام القيادة والإدارة والعمل السياسي وغيره؟

– لماذا لم تؤسسس الجماعة منظومة للبحث العلمي والسياسي ودعم اتخاذ القرار في الداخل والخارج؟

– هل كان الهيكل التنظيمي يسير بأفضل صورة؟

– هل كانت المسارات المختلفة – حتى المسار الدعوي والتربوي – تسير بطريقة صحيحة ولها مشروع واضح وتسير بخطى واضحة وثابثة ويعتمد على تدريب عالي المستوى يناسب العصر وتحدياته، هل كان التأهيل التربوي داخل الواحدات التربوية محترفـًا ومميزًا وفاعلاً؟

– هل كان الاتصال بين القيادة والأفراد اتصالاً جيدًا وبشكل مستمر في الاتجاهين بطريقة فعالة؟

ليست هذه الأسئلة على سبيل الحصر بل إنها غيض من فيض، مما له أثر بالغ على الثورة والمجتمع والواقع والمستقبل وغيرها أسئلة أخرى كثيرة تتعلق بالحالة الثورية والمجتمع المصري والمشروع السياسي والخطاب الإعلامي ومناهضة الحكم العسكري والحراك الثوري وطريقة التفكير والتعامل والتحليل ووضع الحلول للعقبات والتحديات المستمرة، أسئلة تتعلق بجوهر الصراع وخريطته وعقده وأدواته، وما الذي يجب فعله؟ وما الذي يجب مراجعته؟ وما الذي يحب تركه؟ وما الذي يجب تحييده؟ أسئلة لا تحتاج إلى بيانات ولا تصريحات ولا لجان فصل وتجميد وحل، بل تحتاج مناقشات وخبراء وإن كتبت ستحتاج مجلدات.

لا أعرف لماذا لا تتسيد هذه الأسئلة حوارات الإخوان ورموزهم وقياداتهم، أم أن الرغبة في إعادة ضبط المصنع الإعلامي والإداري والتنظيمي أقوى وأشد من أن يفكر بعضهم في شيء آخر؟

إن كل من يريد واقعًا ومستقبلاً أفضل، عليه أن يبدأ بالأسئلة الصحيحة، وأن يحرص على نقاشها بكل صدق وتجرد وأمانة، قبل أن يفرض الواقع والتاريخ كلمته وسنته، وحينها لن ينفع الندم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد