الإخوان المسلمون، ذلك الاسم الذي تنقطع لأجله علاقات دولية وتتصل أخرى، والذي أصبح تهمة يلقى بصاحبها في السجن في أغلب دولنا العربية، بينما هو في دول أخرى مرجعية فكرية لأحزاب تنهض بواقع أوطانها، أصبح حاله ووضعه في دولة الميلاد عقب الانقلاب مأساة يدركها الجميع. فبينما كانت الأغلبية تدرك طبيعة الانقلاب العسكري وتتوقع خطواته المتسقة مع بدايته الإجرامية، والتي تتوافق مع أبجديات الانقلابات العسكرية المشابهة، ترقب الجميع خطوات جماعة الإخوان المسلمين في مواجهة الانقلاب العسكري.

ولكن كيف كانت تتصرف الجماعة وهي لم تضع في حسبانها من الأساس حدوث انقلاب عسكري؟ بل وصلت بواحد من قيادات الجماعة أن قال لوفد من الخارج جاء محذرًا من الانقلاب:

«إذا كنتم جايين من أجل هذا الكلام فأنا معنديش وقت» والكلام على عهدة قريبين من ذلك الوفد.

وهو متسق تمامًا مع الخطاب الإعلامي للجماعة، بل للرئيس أيضًا فك الله أسره.

لست هنا لأطرح أخطاء الجماعة التي أنتجت تلك المأساة؛ فيكفينا لذلك خمس سنوات كاملة، لكنه تمهيد عن هذه التركة التي كشفت سطحية وهشاشة مؤسسات الجماعة، التي لم تستطع توقع الأزمة أو مواجهتها بما يليق.

وكانت تلك الأزمة، ودعونا نقل إن الهزيمة العميقة الأثر سبب في انطلاق بركان خامد لقطاع واسع بالجماعة لم تعد تصلح معه المسكنات أو الحلول الترقيعية، كما حدث سابقًا في أحداث مشابهة.

قاد تيار التغيير بالجماعة الدفة لأول مرة لفترة أقل من عام، ليقود أقوى موجة ثورية يناير (كانون الثاني) 2015، والتي أعادت الجماعة إلى الواجهة وفرضت نفسها في الداخل وعلى المستوى الإقليمي والدولي، وأثبت بها جدارته وصوابية أفكاره، لكن سرعان ما قاد الحرس القديم في مارس (آذار) 2015، تحرك مضاد لتقليم أظافر القيادة الجديدة لتنتهي الأزمة بإعلان الإقالات الشهيرة في ديسمبر (كانون الأول) 2015.

لينطلق تيار التغيير في مسار إجباري ويأخذ زمام المبادرة، وينطلق بالمكاتب الإدارية التي رفضت ما حدث ليشكل هيكلًا إداريًّا متكاملًا، لتنقسم الجماعة طوليًّا بتوزع السيطرة في المحافظات، وعرضيًّا بانفصال الأفراد وانضمامهم حسب قناعاتهم لتتشكل مكاتب ومناطق وشعب متنافسة لكل طرف في محافظات الطرف الآخر.

الميلاد الحقيقي يناير 2017

كان الميلاد الحقيقي للشق الثوري لجماعة الإخوان المسلمين باكتمال انتخاباته القاعدية؛ لتنتج أول هيكل منتخب انتخابًا كاملًا منذ 2012، إذ كانت آخر انتخابات شاملة للجماعة ككل، استلم المكتب العام المنتخب جماعة كبيرة لا شك، لكن وسط تحديات حقيقية، فلا موارد مالية حقيقية خصوصًا أن ثقله البشري يتركز بالداخل، ولا توجد مؤسسات يمكن الاعتماد عليها ولائحة بالية يتفق الجميع على ضرورة تغييرها، وصف ثوري ينتظر نتائج، وصف آخر يراقب باحثًا عن الجديد، وعنف استئصالي من النظام تجاه المكتب العام وأفراده وزاد فوق كل هذا مبادرات توحيد الجماعة التي كانت تتحول إلى تعطيل للمسار أكثر منها محاولات حقيقية لرأب صدع الجماعة على أسس عادلة.

كان العام الأول هو فوضى الميلاد بلا شك، وعامًا من المعاناة، فأنت انطلقت لكن من أين تبدأ؟ وما المشروع؟ وأي الاتجاهات ستسلك؟ كان أهم إنجازات العام الأول اكتمال الرؤية التي بدأ مشروعها الدكتور محمد كمال – رحمه الله- ثم كان تنظيم وإنشاء المؤسسات الأساسية وملء الفراغات التي نتجت عن انقسام الجماعة، ثم توفير الدعم المالي لكل هذه المكاتب وسط حرب حقيقية في الملف المالي من الطرف الآخر.

وكان هذا من أهم العوامل لتشكيل مكاتب تابعة للمكتب العام بالخارج لتتشكل معها الهيئة التأسيسية برئاسة الدكتور علي بطيخ، لتمثل الإخوان المسلمين التابعين للمكتب العام وتؤطرهم.

انتهى عام 2017

بتشكل الملامح الأساسية للتغيير الذي أراده أبناء الجماعة، وأصبح للميلاد الجديد شكلًا وسمات تتمثل في رؤية تحولت إلى خطوط عمل تفصيلية تقوم عليها مؤسسات متخصصة.

ليكون عام 2018

هو عام الانطلاق الحقيقي، فقد انتهت كل الحالات الانتقالية، واعتمدت اللوائح الجديدة لتنطلق المؤسسات المنتخبة حديثًا وفقها ضمن تأطير يصعب علي النظام استئصاله أو تعطيله، ففي العام الثاني للمكتب العام يمكن أن نقول إن الموارد المالية على ضعفها لم تقف حائلًا، ولم توقف المسار، فنجح المكتب العام في تحدي البقاء وبقاء فاعل في الوقت الذي توقع البعض أنه لن يكمل عامًا، وأنه سيلتحق بتجربة عام 54، وسيأكل بعضه بعضًا، ويعودون إلى رعاية القيادات القديمة، جماعات وفرادى، فكان العبور إلى العام الثاني بصف وقيادة متماسكة.

إنجاز مهم في ظل الاستنزاف المالي، كما انتهت واعتمدت اللوائح من الشورى العام للجماعة، وأصبح للجماعة رؤية تفصيلية دقيقة واضحة الخطوات والمعالم، كما تحولت نواة الخارج إلى كيان مؤسسي فاعل كان العام الأول رغم فوضى البدايات، إلا أنه انتهى بإنجازات تأسيسية لما هو قادم، وإذا منعت الظروف الأمنية القيادات بالداخل من إعلان الكثير، فلا شك أن الأيام القادمة ستحمل خروج بعض هذه الثمار للعلن.

وفي ختام تدوينتي الأولى، سيتساءل البعض: وماذا بعد؟

توجيه هذا السؤال إلى جماعة عمرها أقل من عامين، حتى ولو كانت جذورها تمتد لـ90 عامًا حتى، ولو كان المولود عملاقًا، أمر يجانبه الصواب الآن، فيبقى المولود طبيعيًّا في أن يحبو قبل المشي، ثم يمشي قبل الهرولة، وهذا ما حدث مع الشقيقة حماس في بدايتها؛ فهي رغم أنها مولود عملاق لكن بدايتها مرت بظروف عصيبة كادت أن تصل إلى الاستئصال، سواء بيد الاحتلال أو السلطة قبل أن تصل إلى وضعها الآن وهو الأمر الذي أصبح معظم أتباع الجماعة يدركونه الآن.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

بيانات المتحدث الاعلامي للاخوان المسلمين
عرض التعليقات
تحميل المزيد