لست هنا في معرض الدفاع عن اجتهادات الجماعة التي تنتشر في العالم الإسلامي – والتي تتباين أيضاً في المواقف والأولويات- في الجانب السياسي أو الإعلامي أو حتّى تقييم فشلها من نجاحها>

 

 

ولست أعتبر أنّ المشهد اليوم بتعقيداته المختلفة يُعطي المتابع الأريب المقدرة الكافية لتقييم السمت العام لأداء حركات الإسلام السياسي وعلى رأسها الجماعة، لكنّني أتابع مجموعة من التحليلات والمقالات التي تُبالغ في تقديم الجماعة على أنّها تعيش حالة وفاة على المستويات كلها وأن على ورقة النعي أن تُوزّع فورًا، مُعتمدين في ذلك على مجموعة من الصور المُجزّأة المشوّهة عن الحالة التي تعيشها جماعة الإخوان المسلمين في بلاد الربيع العربي، ولذا نجد أنّ الموضوعية تقتضي منّا حيادية تحترم عقل القارئ من غير تكلّف ولا تملّق.

المنطقة اليوم مُشتعلة مُلتهبة إثر موجة الاحتجاجات الشعبية التي ناكفتها الأنظمة بالحديد والنار على مرأى ومسمع من العالم أجمع، كانت الجماعة من التكتّلات الداعمة بالحشود والمال والشباب وغير ذلك مما خفي على العامّة أو ممّا عُرف مؤخرًا ممّن روى أحداث شباب الإخوان وبطولاتهم في مصر واليمن وليبيا وسورية ودفاعهم المستميت عن الشرعية واستحقاقات الثورات بصمت وهدوء، إذ سعت ألا تظهر كثيرًا كداعم أو موجّه رئيسي حرصًا على الوطن والمتظاهرين من بطش الأنظمة وعدائها التاريخي للإسلام السياسي، خاصة إذا اتّخذ صفة جماهيرية في الشوارع والميادين. والجماعة في الحقيقة لم تكن الموجّه الرئيسي لهذه الاحتجاجات على الإطلاق، لكنّها أيضًا لم تكن رقمًا صفريًا في المعادلة ككل كما يدّعي البعض.

الجماعة لم تمت لأنها كانت وما زالت حصنًا سياسيًا قويًا يضمن أداءً جيدًا للمعارضات في الدول المختلفة، فبينما صفّق بعض الناس لحل مجلس الشعب مثلاً في مصر بقرار قضائي مضحك، حاول الرئيس محمد مرسي إعادة المجلس للانعقاد لتنعم مصر بحياة نيابية ديمقراطية تراقب الأداء السياسي بل تُراقبه هو شخصيًا كرئيس دولة، وترصد الأخطاء وترفع المشاريع والاقتراحات، فكان أن انقسم المعسكر الثوري تاركين أول رئيس مُنتخب في معركة غير مُتكافئة سلبت منه مقاليد الحكم لتتم الإطاحة به بقوة العسكر ومؤسسة الدولة وأموال الخليج، وبرغم ذلك استطاعت الجماعة أن تُحافظ على صلابتها رغم قوة الضربة التي فاقت الضربة الناصرية والبعثية، ذاك بالطبع أزعج أجهزة الدولة العميقة في الدول المختلفة ممّا حذا بهم لإشعال فتيل (حروب أهلية) وتقسيم المجتمع وتفتيت المفردات الوطنية بل حتى الانقلاب على المُقدّسات القومية التي كانت تُستخدم كذرائع لتثبيت الأنظمة كالمقاومة مثلاً.

 

 
لقد استطاعت جماعة الإخوان المسلمين من خلال دورها السياسي الفاعل وتنظيمها القوي ومشاريعها الوطنية تجميع شتات المُعارضة مع اختلافاتها الكثيرة في أكثر من تحالف واستحقاق للمضي بذلك كلّه في حقول ألغام كثيرة ممّا جعلها بيضة القبّان وبوابة أمان عمليات سياسية كثيرة، وبغيابها اليوم باتت معظم الأحزاب ورقية هشّة لا تجد من يرجّح كفّة العمل السياسي ويُثقل ميزان المعارضة في مواجهة الأنظمة الظالمة.

 

 
حتّى بعد أن انقلبت الأنظمة الجائرة على نتائج الثورات وجدنا الجماعة ومعها فئات قليلة من أطياف الإسلام السياسي تقف وجهًا لوجه وبكل ثبات ضد جبروت العسكر والدولة العميقة وزمرتهم ممّن طبّل وزمّر وتخلّى عن مبادئ الحريات والديمقراطية وانقلب مع من انقلبوا على المبادئ التي ثاروا من أجلها، فكان أن هُجّروا وقُتّلوا ولوحقوا وعُذّبوا في صورة تُذكّرنا وبشكل رهيب بمحاكم التفتيش.

 

 
وبرغم هذا البطش الذي طال قيادات الجماعة في الصف الأول والثاني بل حتّى الثالث، وبالإضافة للوضع غير المُنتظم داخل أروقة الجماعة وحالة الضعف التي تمر بها إلا أنّها استطاعت وبوقت قياسي المحافظة على التنظيم من خطر الانهيار والانفراط في صورة تجعل من كل محاولات الشيطنة والتشويه والقمع والانقضاض على الموارد المالية للجماعة غير مُجدية بالشكل الذي كان يتصوره من خطّط للقضاء عليها وراهن على اندثارها، ممّا اضطر العسكر أنفسهم للتواصل مع الكتاتني في محبسه والتفاوض معه حول دفع ديات شهداء رابعة وإنهاء حالة الاحتقان لصالح بقاء السيسي، وهو مثال واحد من مجموعة أمثلة تكشف تهاوي كل محاولات تدمير الجماعة.

 

 
الجماعة لم تمت كما يُروج بعضهم لأنّنا إذا ما نظرنا للفراغ الاجتماعي الذي تركه الإخوان المسلمون إثر الانقلاب عليهم في مصر مثلاً وإغلاق جمعياتهم الخيرية والإسلامية والتي زادت عن أكثر من 1000 جمعية والتحفّظ على مدارسهم وتوقّف كم هائل من المشاريع الخدمية والمجتمعية التي كانت تُؤدّى بشكل تنظيمي عالي الكفاءة من خلال قسم البر في الجماعة ممّا زرع في نفوس الملايين الشعور بالمصداقية التي كانت تتمتع بها الجماعة ومؤسساتها المختلفة، وكذلك الاعتقالات المُتكرّرة لقيادات ونشطاء في المجال الإغاثي والاجتماعي ممّن لم تتوقف مشاريعهم وأعمالهم حتّى بعد الانقلاب عليهم وملاحقتهم أمنيًا، هذا وضع الجميع أمام إنجازات الجماعة في ميدان الخدمة والنفع المجتمعي العام.

الجماعة لم تمت فقد عانت وتُعاني المجتمعات بغياب الإخوان أزمة فكرية بل أزمات واسعة النطاق والتي ستظهر علاماتها بوضوح أكثر في المستقبل القريب، إذ لم يعد في الساحة من يستطيع أن يُجابه الأفكار المتطرّفة سواء أكانت تلك التي في أقصى اليمين أم تلك التي في أقصى اليسار ويُعالجها من خلال منهجية واضحة وفكر وسطي وعملية مُنظّمة تسعى لتثبيت مبادئ الإسلام بكليّاته وقيَمه الشاملة الكاملة.

الأمة اليوم تُعاني من توغّل الفكر المُتشدّد إذ يتم إخفاء أكثر الأصوات التي تقدر على مواجهتها في السجون والمُعتقلات وعلى أعواد المشانق وفي المهاجر، بينما تُترك الساحات مفتوحة مُشرعة الأبواب لأهل الغلو والأفكار المنحرفة للعمل على الشباب وفق مشاريع تخريبية تهدف لهدم هذا الجيل وصناعة فوضى فكرية وتقديم تبريرات جاهزة لمُحاربة مشاريع الإسلام السياسي. إنّ تجربة الإخوان المسلمين في الإجابة على التساؤلات الحضارية والفكرية العظمى كسؤال الحداثة وسؤال الدولة وسؤال المشروع هي أكثر التجارب الحالية نُضجًا وشمولية إذ تتّسم بكونها رؤية منظّمة وجماعية، وليس من مصلحة عاقل تغييب هذه التجربة لينتشر عوضًا عن ذلك فكر آخر يحمل الخراب للأمة ولشبابها.

الجماعة تتعثّر في مواقع ولكنّها تتقدّم في مواقع أخرى أيضًا، ومن مصلحة الأمة اليوم أن يجمع الإخوان شتات شملهم ويشكلّوا جبهة سنيّة واسعة لمواجهة المشروع الإيراني الذي يُريد الهيمنة على المنطقة وفق تحالفات إقليمية وضوء أمريكي أخضر، ولمواجهة مشروع تنظيم داعش التمدّدي والذي تفوح منه روائح الاختراقات المخابراتية الدولية، وكذلك التحوّلات والتهديدات المُقبلة بأشكالها المُختلفة، ليس من مصلحة الأمة أن يموت هذا التنظيم الوطني والمُتماسك أو يُستبعد من الحياة السياسية، الجماعة لم تمت وليس من مصلحة أحد أن تموت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد