لله تعالى في خلقه سنن ثابتة تجري عليهم، لا تتغير ولا تتبدل ولا تحابي أحدا ، ومن سنن الله أن قوة المسلمين وعزتهم تتولد من تمسكهم بكتاب الله وسنة نبيه وإقامة شرعه ومتى حادت الأمة عن طريق الله حادت عن طريق العزة وسلكت مسلك الضعف والهوان “إن تنصروا الله ينصركم”،، “إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم” ومنذ عهد قريب وتحديدا في عام 1924م أسقط المسلمون بضعفهم وانحرافهم عن ربهم دولة الخلافة الإسلامية بأيد أعداءهم.

حينها انصرف الناس إلى أنفسهم وهمومهم، وانصرف حسن البنا ذلك الشاب المسلم المؤمن إلى ربه وهموم أمته يجول مصر شرقاً وغرباً، يبحث بين الناس عن أطيب معادنهم وأزكى عقولهم، ينشر الخير فيهم ويفتح لهم صفحات جديدة مع الله، ثم أنشأ دعوة “الإخوان المسلمون” لتكون حلقة في سلسلة الدعوة الإسلامية كغيرها من الحلقات، وامتد نفعها حتى عم ما يزيد عن سبعين دولة إسلامية، رد الشباب إلى الله وشغلهم بهموم أمتهم، وراحت دعوته تبعث في نفوس اليائسين الأمل، والحائرين الهداية.

ولما كان لله في خلقه سنن تجري على خلقه جرت على دعوة الإخوان تلك السنن فقابلتها موجة عاتية من العداءات والابتلاءات زادت أبناء الدعوة إيماناً بدعوتهم، وصفت نفوسهم ومحصت صفوفهم، وازداد الناس عليها رغم التشويه الممنهج لها من الأنظمة الحاكمة الفاسدة إقبالا، ثم مضت الدعوة تشق طريقها حتى ثورات الربيع العربي واتضح للعالم كله قوتها في الشارع الإسلامي برغم ما فعلوه ضدها في السنوات الماضية والحالية، ثم عصفت ريح المحن بها من جديد وخاصة في مصر بعد انقلاب عالمي علماني عسكري قتل واعتقل وشرد وصادر أموال الآلاف من أبنائها، ولم يكن الانقلاب على فكرة الإخوان وإنما على مصر بكل ما فيها من قيم وأخلاق ودين.

واليوم يواجه الإخوان أزمة داخلية طبيعية في أزمة خارجية بين فكر يؤمن إيماناً كاملاً بأنه لا عودة للوراء ولا تنازل عن الثورة ولا تصالح مع المجرمين سرقة الوطن باسم الوطنية “العسكر” يغلب عليه الشباب والإيمان بأنه لا حياه للدعوة ما لم تواجه وتتحمل حتى تنتصر، وفريق يغلب عليه النزعة الأبوية والخوف على ميراث الدعوة والتنظيم لكن أصابته رعشة الأيدي يفكر في مصالحة تحقن الدماء وتحفظ الأعراض حسب زعمه.

وخلاصة الأمر بعيداً عن جدال حول حقيقة وجود الأزمة الداخلية من عدمها ومن صاحب الحق في الفريقين وهل هي أزمة أم زوبعة في فنجان ، أود أن أقول: إن الإخوان في النهاية جماعة بشرية يجري عليها ما يجري على كل الجماعات والدعوات من سنن الله تعالى، يعتريهم ما يعتري البشر من اختلافات في الرأي، وانقسامات في الصف، وبقاء وفناء، وموت وحياة، الإخوان أولاً وآخراً ليسوا دولة من الدول التي مُكن لها في الأرض فحكمت، ولا مملكة من الممالك سيطرت فبسطت على الدنيا نفوذها، وحتى الدول التي حكمت والممالك التي امتدت جرت عليها السنن ففنيت “قد خلت من قبلكم سنن” .. “تلك أمة قد خلت”.

ولما كان الاختلاف أمراً طبيعياً، ينتج عنه ما ينتج عن كل خلاف من سلبيات وإيجابيات، فلم القلق والخوف إذن؟.

إن الخوف الحقيقي على دعوة الإخوان ألا تتعلم من التاريخ ولا تنتفع من التجارب ولا تتمسك بالنهج الذي رسمه لها مؤسسها البنا رحمة الله عليه.

إن التاريخ اليوم يكتب بالدماء وما يكتب بالدماء لا يمحى، وحرام على من يريد أن يبدل مداد الكتابة من دماء إلى ماء.

إن الفرصة اليوم أمام الإخوان رغم الآلام عظيمة إن اغتنموها ولم يضيعوها. إن أي سيناريو لا يرد الحق للثورة، ولا يقتص للدماء من القتلة، ولا يطهر الوطن من الفسدة هو ضربة قاصمة لظهر الجماعة، وعلى أبنائها أن يقدسوا الحق على الأشخاص، والمنهج على الأفراد، وألا يخونوا العهد الذي أخذه عليهم الشهداء، ومن أجله امتلأت بإخوانهم السجون، وافتدى به رئيسهم الحق بحياته حسبة لله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد