يبدأ الباحث – وهو المهندس المصري والداعية الإسلامي فاضل سليمان – كتابه، الذي كان بالأصل رسالته التي حصل بها على درجة الماجستير بعنوان «الدفاع عن النفس أحد دوافع فتح المسلمين لمصر»، بالتأكيد على مبدأين أصيلين. الأول هو حرية الاعتقاد، حرية اختيار كل إنسان لما يؤمن به ويعتقد في صحته، وكذا ممارسة ما يريد من الشعائر والعبادات، والأمر كله مرده إلى الله الحكم، يفصل بين الناس جميعا يوم القيامة. وأما المبدأ الثاني فهو التعايش بين الناس جميعا على اختلاف انتماءاتهم ومعتقداتهم على أساس من التعاون فيما لا اختلاف عليه والاحترام المتبادل بينهم. بعدها يلفت إلى نقطة جوهرية وهي أن الكثير من المشاكل والاحتقان الذي ينشأ بين المسلمين والنصارى نتيجة بعض الأفكار المتوارثة حله هو الحوار المتبادل بين الطرفين على أساس صحيح يبدأ من معرفة الحقائق التاريخية لأوهام وأفكار طالما رددها الناس وصدقوها دون محاولة التأكد من صحتها ومدى دقتها.

ينتقل الباحث سريعا في مستهل بحثه إلى شبهة انتشار الإسلام بحد السيف التي يتمحور حولها موضوع البحث وإشكاليته التي تتمثل في «نفي تهمة انتشار الإسلام بالقوة وفرضه على أهل المناطق المفتوحة بالحرب من خلال دراسة التاريخ الديني والسياسي لإحدى تلك البلاد المفتوحة وهي مصر». يفند الباحث هذه الشبهة والرد عليها بكونها ادعاءً باطلًا طالما لجأ إليه أعداء الإسلام على مر العصور لتشويه هذا الدين الحق العظيم، متخذين الفتوحات الإسلامية ذريعة كبرى لذلك، الأمر الذي ينم إما عن جهل شديد بحقيقة التاريخ وأحداثه، وإما عن تعمد هؤلاء المدعين التشويه وطمس الحقائق وتغييبها عن أتباعهم. فيوضح بل ويثبت من خلال بحثه أن بعض الفتوحات الإسلامية، ومنها فتح مصر، لم يكن فقط لمحاربة الطواغيت وإزالتهم من طريق حرية الناس كي يتسنى لهم اختيار دينهم ومعتقدهم بحرية تامة دون اضطهاد أو ظلم، بل أيضا كانت دفاعًا عن النفس ودفعًا للظلم الواقع على «المسلمين» من أهل تلك البلاد الذين عانوا من الظلم والتعذيب على أيدي المؤمنين بالثالوث المقدس على مدار عقود قبل الفتح. وعليه، فإن هذا البحث يدحض تمامًا تهمة انتشار الإسلام بالقوة وفرضه على أهل المناطق المفتوحة بالحرب، ويثبت أن فتح مصر كان من ضمن أسبابه الدفاع عن النفس، وذلك من خلال إثبات وجود «مسلمين» بها واقعين تحت الاضطهاد قبل مجيء الفتح الإسلامي.

من هنا سنحتاج إلى تعريف لفظ «مسلم» بالأساس، وهذا بالضبط ما قام به الباحث بالفعل. إذ ذهب إلى تعريف لفظ «المسلم» وتوضيح أنه ليس هو فقط من اتبع شريعة الله التي أنزلها على خاتم أنبيائه محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، بل هو من اتبع شرع الله الذي أنزل لعباده على نبي عصره. وعليه، فإن من قال «لا إله إلا الله» وأقر بأن عيسى ابن مريم بشر وعبد لله ورسوله في الفترة بين الرسولين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم هم مسلمو عصرهم. ثم ذهب خلال فصول بحثه إلى إثبات انطباق هذا التعريف على أتباع بعض القساوسة ومنهم القسيس «آريوس» في مصر والبلقان وغيره في مناطق أخرى من العالم كانت كلها واقعة تحت الحكم الروماني حتى تاريخ الفتوحات الإسلامية، وتعرضت كلها للقتل والتعذيب والاضطهاد الشديد حتى هذا التاريخ. ولكن، وبالرغم من كل هذا الاضطهاد والتعذيب، لم تندثر تلك المجموعات واستمر وجودها حتى عهد الفتح الإسلامي، الأمر الذي تجاهلته – حسب تعبير الباحث – معظم كتب التاريخ المسيحي. كذلك يثبت البحث الاهتمام الشديد لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم بتحرير تلك المجموعات المؤمنة الموحدة من هذا الاضطهاد البالغ، الذي كان – كما ذكرنا سابقًا – أحد أهم أسباب الفتوحات الإسلامية.

ينتقل الباحث إلى الحديث عن عقائد النصارى الموحدين مع التركيز على الجماعة الأكثر انتشارًا والتي عاصرت الفتح الإسلامي وكانت قد نشأت قبله بأربعة قرون وهي جماعة «الأريسيين» نسبة إلى مؤسسها القسيس «آريوس»، وهو قسيس ولد بليبيا وعمل في الأسكندرية بمصر في القرن الرابع الميلادي. كانت تعاليمه هي بداية للعقيدة المسماه بـ «الآريوسية» التي أكدت على الطبيعة المحدودة للمسيح بأنه مخلوق. وهو أحد خريجي مدرسة أنطاكية الظاهرية المتمسكة بحرفية التنزيل التي أسسها الشهيد «لوسيان» باعث مبادئ التوحيد التي نادى بها بولس الشمشاطي بأنطاكية، وترأس مدرسة لاهوتية نادت بالتوحيد تتلمذ فيها آريوس.

قبل استكمال الحديث عن القسيس آريوس ومعتقده التوحيدي الذي نادى به، يجب هنا اللفت إلى نقطة جوهرية متعلقة بتسمية «الأريسيين» أو «الآريوسيين» وهي أن هذه التسمية أطلقت على أتباع القسيس آريوس في البدء ثم على كل من آمن بعقيدة التوحيد ورفض فكرة التثليث وتأليه السيّد المسيح عليه السلام حتى ممن لم يعرفوا آريوس ولم يروه في حياتهم قط، أطلقت هذه التسمية عليهم من قبل أعدائهم وأعداء عقيدة التوحيد من المثلثة الأورثوذوكس حيث كانت لهم الغلبة وكانوا هم المنتصرين تاريخيًا – رغم أن النصارى الموحدين كانوا الأكثر عددًا – وبالتالي فقد أطلقوا هذه التسمية على أعدائهم الموحدين للإيهام بأنهم ليسوا هم المسيحيون أتباع المسيح الحقيقيين وأنهم هراطقة مبتدعة ليسوا أكثر من أتباع قسيس نادى بهذه العقيدة واتبعوه، وأنهم – أي المثلثة – هم المسيحيون الحقيقيون أتباع المسيح الذين ألّهوه وآمنوا بالثالوث المقدس. لذا، فقد كان النصارى الموحدون يكرهون هذه التسمية، «الأريسية» أو «الآريوسيية»، ويرفضونها ويعتبرونها نوعًا من التمييز ضدهم لأنهم هم المسيحيون الحقيقيون أتباع المسيح عليه السلام الذين آمنوا به نبيًا ورسولًا وعبدًا لله ورفضوا تأليهه واتبعوه بحق.

يصف المؤرخون آريوس بالشخصية الزاهدة الجذابة التي نجحت في اجتذاب أتباع كثيرين، وبالعناد الشديد والقوة في الصدع برأيه، حيث يقول عنه البروفيسور ديميتريوس كوسولاس: «لم يكن آريوس من نوع الرجال الذين يمكن إسكاتهم بسهولة، كما لم يكن وحده الذي يؤمن بهذه المعتقدات، بل كان كثير من الأساقفة والكهنة في الشرق يفضلون تعاليمه».

كان مما قاله آريوس في مناظراته مع قساوسة عقيدة التثليث: «لو افترضنا أن المسيح هو في الحقيقة ابن الله لكان معنى ذلك أن الله موجود قبله، وبالتالي فقد كان هناك زمن لم يكن الابن موجودًا خلاله، إذًا فجوهره ومادته لم تكن موجودة في وقت ما، وطالما أن الإله في جوهره موجود من الأزل وإلى الأبد، إذًا فالمسيح لا يمكن أن يكون من نفس جوهر الله».

ورفع آريوس شعار «فلنتبع المسيح كما علمنا»…

  • فطالما أنه لا يمكن أن يكون هناك من هو أعظم من الله، وقد قال المسيح عن نفسه كما ورد في إنجيل يوحنا «الأب أعظم مني»، وطالما أن المسيح لا يقول إلا الصدق، إذًا فهو ليس الله. أضف إلى ذلك أنه لم يقل «أنا الله» أو حتى «اعبدوني» أبدًا.
  • وطالما أن الله قادر على فعل أي شيء، وقد قال المسيح عن نفسه كما ورد في إنجيل يوحنا «أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئا»، وطالما أن المسيح لا يقول إلا الصدق، إذًا فهو ليس الله.
  • وطالما أن الله هو عالم بكل شيء، وقد قال المسيح عن نفسه كما ورد في إنجيل مرقس «وأما ذلك اليوم وتلك الساعة فلا يعلم بهما أحد ولا الملائكة الذين في السماء ولا الابن إلا الآب»، وطالما أن المسيح لا يقول إلا الصدق، إذًا فهو ليس الله.
  • وطالما أن الله يوحي ولا يوحى إليه، وقد قال المسيح عن نفسه كما ورد في إنجيل يوحنا «إن لي أشياء كثيرة أتكلم وأحكم بها من نحوكم، لكن الذي أرسلني هو الحق، وأنا ما سمعته منه فهذا أقوله للعالم»، وطالما أن المسيح لا يقول إلا الصدق، إذًا فهو ليس الله.

يعرض الباحث بعد ذلك محطات اضطهاد النصارى الموحدين المعروفين مجازًا بـ «الآريوسيين» بدءًا من العقوبات المدنية كالعزل من المناصب وصولًا إلى الإعدام والتعذيب بأساليب بشعة غير آدمية، مع تنبيه القارئ إلى عدم الظن بأن هؤلاء النصارى الموحدين المعذبين المضطهدين كانوا أقلية، بل العكس تمامًا، فقد اعترف بأنهم كانوا أغلب النصارى أناس ذوي مكانة كبيرة بين معتنقي عقيدة التثليث أنفسهم. وقد وصل التعذيب مداه في الدولة الرومانية حتى بعد الفتح الإسلامي لبعض أراضيها.

ثم ينتقل إلى أدلة وجود نصارى موحدين حتى الفتح الإسلامي في البلاد المفتوحة وعلى الأخص مصر. يستدل الكاتب لإثبات ذلك من أربعة مصادر هي: القرآن الكريم والسنة المطهرة وأقوال الصحابة والكتب التاريخية.

فعلى سبيل المثال، استعان الباحث في إثبات وجود الآريوسيين بمصر وقت الفتح بكتاب «تاريخ مصر» ليوحنا النقيوسي. وقد أشار الباحث إلى أهمية التأكيد على مصداقية هذا الكتاب بعدة طرق، كالتأكد من عدم وجود مصلحة للكاتب في إثبات وجود النصارى الموحدين حتى زمن الفتح ويتحقق ذلك بإثبات انتماء الكاتب للنصارى المثلثة، والتأكد من أمانة الترجمة ويتحقق ذلك بمراجعة الترجمة العربية التي قام بها مترجم مسلم بالترجمة الإنجليزية التي قام بها مترجم غير مسلم، والتحقق من مصادر موثوقة أن الكاتب قد عاصر أحداث الفتح ويتحقق ذلك بالنظر في سيرته التي نشرتها عنه الكنيسة المصرية.

بعد أن أثبت الباحث خلال فصول بحثه موافقة عقيدة الأريوسيين لعقيدة الإسلام، وتعرضهم للاضطهاد والتعذيب والقتل مما يعرضهم للفتنة في دينهم، ووجودهم في الدولة البيزنطية الرومانية حتى وقت النبي صلى الله عليه وسلم والفتوح الإسلامية فيما بعد، انتقل الباحث إلى عرض وإثبات اهتمام رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الأريسيين. فبعد صلح الحديبية وبمجرد تأمين جبهة الجزيرة العربية نسبيًا، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم رسله بكتب يدعو بها ملوك العالم وحكامه، وكان من بينهم ثلاثة من الحكام المسيحيين، هم هرقل الروم والمقوقس حاكم مصر والنجاشي ملك الحبشة. فأرسل لهرقل الروم محذرًا إياه من استمرار اضطهاد النصارى الموحدين مسميًا إياهم بالأريسيين كما كانوا يلقبوا في ذلك الوقت، وأرسل للمقوقس حاكم مصر محذرًا إياه من استمرار اضطهاد القبط. ونلاحظ مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم لهرقل الروم بما يفهم، فحمله إثم الأريسيين الموجودين بكل أنحاء الإمبراطورية حيث قال «فعليك إثم الأريسيين»، بينما في خطابه للمقوقس حاكم مصر حمله إثم المصريين فقط من بينهم فقال «فعليك إثم القبط» كما هو مبين في نص الرسائل المعروضة في البحث.

وأرسل إلى النجاشي كذلك، ولكن يلاحظ عدم تحذيره له أو تحميله إثم أحد مثلما فعل مع هرقل والمقوقس، كما لم يسجل التاريخ ذهاب أي جيش مسلم للحبشة التي كان ينعم الناس فيها بحرية الاعتقاد.

أخيرًا، يختم الباحث بالنتائج التي خرج بها من بحثه وهي:

  • انطباق وصف المسلمين على فرق النصارى الموحدين ومنهم الأريوسيين.
  • إثبات استمرار وقوع الأريسيين تحت الاضطهاد الشديد حتى وقت الفتح الإسلامي في مناطق مختلفة من الدولة الرومانية ومنها مصر.
  • إثبات اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين من بعده بأمر الأريسيين.
  • إثبات أن أحد دوافع المسلمين لفتح الأقاليم التي بها أريسيين ومنها مصر هو الدفاع عن النفس، إذ هب المسلمون من أصحاب محمد بن عبد الله لنجدة إخوانهم من المسلمين من أصحاب عيسى ابن مريم عليهما أفضل صلوات الله وسلامه.
  • إثبات أن مسلمي مصر هم الامتداد الطبيعي للأريسيين وليسوا في أغلبهم أحفاد العرب الذين وفدوا إلى مصر مع الفتح ولا أحفاد المسيحيين المؤمنين بالثالوث الذين تحولوا من المسيحية إلى الإسلام – ولا عيب في هذا ولا ذاك – وإنما كان الإسلام متجذرًا في مصر حتى قبل الفتح.

قام الباحث بشرح كتابه هذا وتاريخ الأريوسية الذي أخفي عن العالم – تاريخ العالم الذي لا يقال للعالم حسب تعبيره – في أربع حلقات تليفزيونية على إحدى القنوات الفضائية المصرية، كما استعان الباحث الفلسطيني جهاد الترباني بهذا الكتاب الذي بين أيدينا في إنتاج حلقتين كاملتين من برنامجه «العظماء المائة» على موقع «يوتيوب» عن القسيس الذي غير وجه الأرض «آريوس» وحكاية الأريسيين.

أترككم مع الكتاب ومشاهدة الحلقات من خلال الروابط التالية:

كتاب «أقباط مسلمون قبل محمد صلى الله عليه وسلم»

حلقات شرح الكتاب «الأريوسية – تاريخ أخفي عن العالم»

حلقة «آريوس – القسيس الذي غير شكل الأرض»

حلقة «حكاية الأريسيين… الحكاية التي أخفيت عن البشرية»

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فاضل سليمان
عرض التعليقات
تحميل المزيد