الإنسانية طبائع متشابهة، وأحداث متكررة، بصيغ مختلفة، وبمهارات متفاوتة.

بسطت حضارة أثينا، فترة من الدهر في العصور الكلاسيكية سيادتها على البحر الأبيض المتوسط والمناطق الساحلية المحاذية لها، لكن كان في عرض البحر جزيرة صغيرة تسمى ميلوس تقع في موقع ذي أهمية بالغة لمدينتين متنافستين إسبرطه وأثينا، التحقت جزيرة ميلوس بالإسبرطيين المستعمرين الأوائل لها، إلا أنَّ المَنعة والقوة كانت مِن نصيب أثينا، فَفِي خلال الحرب والسجال الدائر بينَ القوتين المُتَنافِستَين، عَرضت أثينا على سكان ميلوس  الاستسلام والتحالف معهم ضد إسبرطة، لكن سكان ميلوس رفضوا ذلك، وأصَروا على ولائهم للإسبرطيين، مُعتمدين على دعم إسبرطة لهم، حذَّر وفد أثينا ممثلين جزيرة ميلوس من أَنَّ الإسبرطيين سَيَحْسبون الخسائر والمكاسب، وسيتخلون عنهم، رفض سكان ميلوس عرض أثينا بأدب، وأن الرد في أرض المعركة إِنْ أصرت أثينا على عرضها، لم تمْضِ أيام قليلة حتى اجتاحت أثينا ميلوس، فقاوم سكان الجزيرة بطش أثينا وحدهم دون دعم  من إسبرطة، التي وضعت أمامها مبدأ المكسب والخسران، سيطرت أثينا على ميلوس، وقتلت كل من كان في سن التجنيد، وبسطت نفوذها على الجزيرة.

حينما تهب العاصفة، تلجأ غريزة الإنسان إلى الاحتماء والإذعان دون تفكير حتى تنجلي العاصفة بأقل الخسائر، لكن جزءًا من البشر، لديهم القدرة الفائقة على السيطرة على غرائزهم والتحكم فيها طبقًا لتقدير عقولهم للموقف، فالمندفع دون تحكم في غرائزه تجاه العاصفة خسارته قريبة التماثل من المحتمي منها دون تحكم في غرائزه.

إن طبيعة الحِلْمِ والسِلْم التي تَخَلَّق بها سيدنا عثمان بن عفان، حَمَتْ دولة الإسلام في نهاية حكمه لها من مصير مجهول، هذا المصير قد كان سيعلو فيه مِنْ لا مَكان له في العليين، بل إنِّ داره وموطنه  في الأسفلين، ولا ينمو إلا حينما تتمكن الفتنة من الأمة كما تتمكن الطحالب والأعشاب الضارة من المياه إذا ركدت. فالفتنة التي أصابت دولة الإسلام نتيجة التوسع السريع ودخول أعراق مختلفة تحت رحمة الدولة الإسلامية، وَلين خليفة المسلمين مع منتقدي عماله وعماله على حد سواء،  وضغائنٌ عقائدية ودنيوية قد خالطت قلوب كثير من المنتسبين لدولة الإسلام، وعدم ابتكار آليةٍ لوَأْدِ الفتنة في بُكُورَتها، جعلت أسباب اشتعال نار الفتنة في الدولة الإسلامية حاضرة، تنتظر من يزكيها بين الناس لتهبَّ رِياحُها فَتَحرق اليابس الأجوف مع النَدِي المُثْمِر دون تفرقه، وتبقى الغربان الناجية الوحيدة بعد المحرقة تنعق على أطلال الدولة.

لكن استسلام خليفة المسلمين لطبائعه ثم للعاصفة بعد التفكير في عواقب مواجهتها، بعد أن تكاثر عدد الغوغائيين والغث الذين لا عقل لهم تقودهم ركبانهم تحت إمرة أخباث صدورهم ممتلئة غلًّا وحقدًا على «نجاح دولة الإسلام في التموضع السريع بين حضارات لها إرث بمئات السنين»،  حمت كيان الدولة التي أصَّلَ أركانها عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فلم تعد لتلك الحضارات القدرة على  مجاراتها أو أنْ تُفْتِرَ همتها في الجلوس على عرش قيادة الحضارات الإنسانية.

 السلمية حين اشتعال نار الفتنة بين عوام المسلمين هي السبيل الوحيد الناجع لصون كيان الدولة من التمزيق والتَفتت.

نصح عمرو بن العاص خليفة المسلمين عثمان بن عفان قائلًا: «أرى أنك قد لنت لهم ورخيت عليهم وزدتهم على ما كان يصنع عمر، فأرى أن تلزم طريقة صاحبيك فتشتد في موضع الشدة، وتلين في موضع اللين»، لكن رد أمير المؤمنين كان؛ «قد سمعت كل ما أشرتم به علي، ولكل أمر باب يؤتى منه، إن هذا الأمر الذي يخاف على هذه الأمة كائن، وإن بابه الذي يغلق عليه ليفتحن فنكفه باللين والمؤاتاة إلا في حدود الله، فإن فتح فلا يكون لأحد علي حجة حق، وقد علم الله أني لم آل الناس خيرًا، وإن رحى الفتنة لدائرة، فطوبى لعثمان إن مات ولم يحركها. سكنوا الناس وهبوا لهم حقوقهم، فإذا تعوطيت حقوق الله فلا تدهنوا فيها».

إن عقل معاوية بن أبي سفيان قد استقرأ الأحداث وكأنه سافر عبر آلة الزمن ليرى المشهد ثم يعود مخبرًا به قلب علي بن أبي طالب  وطلحة والزبير بن عوام  قائلًا: «إنكم قد علمتم أن هذا الأمر كان الناس يتغالبون عليه حتى بعث الله نبيه – صلى الله عليه وسلم – وكانوا يتفاضلون بالسابقة والقدمة والاجتهاد، فإن أخذوا بذلك فالأمر أمرهم والناس لهم تبع، وإن طلبوا الدنيا بالتغالب سلبوا ذلك ورده الله إلى غيرهم، وإن الله على البدل لقادر، وإني قد خلفت فيكم شيخًا فاستوصوا به خيرًا وكانفوه تكونوا أسعد منه بذلك». ثم ودعهم ومضى، فقال علي: «[ما] كنت أرى في هذا خيرًا. فقال الزبير: والله ما كان قط أعظم في صدرك وصدورنا منه اليوم».

تغالب التَغَالبيون على المغلوب فغدروا بآلية الحكم الرشيد، كسروا آلية تطبيق عدل  الإسلام في متبوعيه، فلم تتحمل الديانات المشبعة بالتحريف المليئة بالغل بين متبوعيها  أن ترى متبوعي الديانة الجديدة يقولون «رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ»، لقد طرأ أمر لم تعهد البشرية له عهدًا، ما هذا السلام بين قادة الأمة المؤمنة كيف انتقل التنافس بين طبائع النفوس من وحل الدنيا إلى زعفران الجنة، المطلية جدرانها بالمسك، المفروشة بحصباء الياقوت والمرجان! كيف انتزع هذا النبي الأمِّي المُضَغ السوداء المصابة بها قلوب البشر جبرًا؟!

ما هذا الصفاء الذي لم تلد النساء صفاء قادة اجتمعوا على ملك عظيم، كل منهم يرى أخاه أحق به منه، ونفسه عضدٌ لأخيه! إِنْ تُقُلِّبت صفحات التاريخ صفحة صفحة، وتُمُحِّصَت سطور صفحاته سطرًا سطرًا، ما وُجِدَ نجومًا تتلألأ أضواؤهم بمقدار واحد، فما استطاع الفلكي تفرقة وصف أحدهم عن أخيه.

سعى أصحاب الفتنة إلى الفتنة بين أعضاء الجسد الواحد، لكن أنَّى لهم ذلك، وقد ارتوى الجسم بتمام أعضائه من يد الحبيب محمد، صلى الله عليه وسلم ، فجزء من قاتلي عثمان ذهب إلى طلحة بن عبيد الله يبايعونه على رأس الدولة الإسلامية، وجزء ذهب إلى الزبير، وجزء آخر ذهب إلى علي بن أبي طالب، وجزء آخر ذهب إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وكلهم أبوا على هؤلاء القتلة مرادهم، لكن لما بدا الأمر لصحابة رسول الله أن لا مفر من اختيار أمام من بينهم، قصدوا عليًّا، فقالوا له: «إنه لا بد للناس من إمام. فقال: لا حاجة لي في أمركم فمن اخترتم رضيت به.

فقالوا : ما نختار غيرك، وترددوا إليه مرارًا وقالوا له في آخر ذلك: إنا لا نعلم أحدًا أحق بها منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب قرابة من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -. فقال: لا تفعلوا فإني أكون وزيرًا خيرًا من أن أكون أميرًا. فقالوا: والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك. قال: ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفية ولا تكون إلا في المسجد» هنا تمت البيعة لأمير المؤمنين علي، رضي الله عنه، وتسلم إمامة المسلمين، واكتسب حق تقرير مصير الأمة، وقيادة دفة السفينة مع مشاورة مجلس الأمة من كبار الصحابة، رضوان الله عليهم جميعًا.

يتبع…

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد