النظام القرآني لسياسة أمور الناس نظام يقترب كثيرًا من النظام المركزي، وتوحد القطيع حول قيادة واحدة.

يقول الله، عز وجل «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ»، لم يتكرر أمر أطيعوا  في الآية الكريمة إلا قبل الله والرسول، ولكن الأمر حين نزل من إطاعة من في السماء إلى إطاعة من في الأرض اقتصر على قيادة إنسانية واحدة، وربط ما دون القيادة بالقيادة فلم يقل هذا الربط العظيم ينطبق على كل من خَلَف الرسول في قيادة أمته، لكن يختلف هذا النظام المركزي عن نظام حكم الله في عباده وتفرده في إصدار الأوامر وتنفيذ مَتْبوعية أوامره دون تفكير ، بأن أضافت الآية الكريمة مِساحة للمحكومين يمارسون بها على القائد دور تصحيح المسار إِنْ أخذته غفلة نفسه وشيطانه إلى مسار مِعْوَج، يقول الله، عز وجل: «فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا».

لم يمتز بفن إدارة القطيع  خليفة رسول الله ذو النورين، عثمان بن عفان، هذا الشيخ الحَيِيّ الكريم العطوف الذي كانت تستحي منه الملائكة لحيائه، فلم يكن لديه القلب الصلب لاستباقة الحدث قبل وقوعه، فاستباقة الحدث قبل وقوعه وقراءة نتائجه المستقبلية هو فَنٌ تُركَ للبشر سباق المبارزة فيه، حتى إن عمر أشار على أبي بكر بعدم قتال مانعي الزكاة ما داموا لم يرتدوا، استنادًا إلى حديث النبي، صلى الله عليه وسلم،  «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله». لكن أبا بكر خليفة المسلمين رفض هذا الرأي وتقدم بذلك خطوات واسعة على علم الاستراتيجية الذي لم يكن أُصُّلِ وتعارف الناس عليه  فقال «والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقًا كانوا يؤدونها إلى رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لقاتلتهم على منعها».

قد يرى الناظر بعدسته المحدبة الأمر ذا حيرة مهولة؛ لأنه لا ينظر إلا في مسافة قريبة من موضع قدمه، أما إذا أراد أن يرى ما امتد إليه بصره من موضع قدمه بعدسته المحدبة فلا يرى شيئًا. إن أبا بكر، رضي الله عنه، كان لا يرى إلا ببصيرة قلبه، فهذه البصيرة لا تحتاج إلى عدسات محدبة كانت أم مقعرة، علم أنها البداية لأمر قد ينتهي بإنكار الله، بل إن  طلحة بن خويلد الأسدي وجمعه تعدى الزكاة، ودخل على الصلاة فأمرهم بترك السجود في الصلاة ويقول: إن الله لا يصنع بتعفر وجوهكم وتقبح أدباركم شيئًا، اذكروا الله أعفة قيامًا. إلى غير ذلك.

  إنّ ضرب الراعي لتتفرق خرافه في بداية تكوينه للقطيع، ينهي جدلية الخوض في مستنقع الفتنة، ويخرج من القطيع رعاة لقطعان أخرى فيعلو صوت الخراف على صوت الرعاة، ولا يعد للراعي الأمة صوت يسمع على الرعية، فيصبح الإنسان حيرانًا أي قرار تَكلِفته على الأمة أَقلُّ ضررًا، وهو ما وقع فيه مُجتمع سيدنا عثمان، رضي الله عنه وأرضاه.

 أرسل عثمان خليفة المسلمين إلى معاوية، وعبد الله بن سعد، وإلى سعيد بن العاص، وعمرو بن العاص، وعبد الله بن عامر فجمعهم فشاورهم وقال لهم: إن لكل امرئ وزراء ونصحاء، وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي، وقد صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إلي أن أعزل عمالي، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون، فاجتهدوا رأيكم، فقال سعيد: احسم عنك الداء فاقطع عنك الذي تخاف، إن لكل قوم قاعدة متى تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر. فقال عثمان: إن هذا هو الرأي لولا ما فيه.  

إن جملة «لولا ما فيه» هي جملة تردد، وليست بجملة حزم، فكل أمر في هذه الدنيا فيه مافيه.

دخل سيدنا علي بن أبي طالب على سيدنا عثمان، مادحًا سنوات قد خلت في عهدي أبي بكر وعمر، ثم عرج على سنة سيدنا عثمان منبهًا لمستقبل قد تتعالى فيه أمواج البحر، فتموج بسفينة الأمة يمنة ويسرة، فيختلط ركاب السفينة، فلا يعرف الأب ابنه، ولا الأخ أخاه،  فصدمة أمواج البحر تجعل كلَّ ركاب السفينة حكيمهم وجاهلهم ينظر إلى موضع قدمه أيغرق أم ينجو، لا أنْ يَنْظرَ كم من المسافة متبقية بينه وبين البر! يقول علي «اعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله إمام عادل هدي وهدى، فأقام سنة معلومة وأمات بدعة متروكة، فوالله إن كلًّا لبين، وإن السنن لقائمة لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها أعلام، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وأضل، فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة، وإني أحذرك الله وسطواته ونقماته، فإن عذابه شديد أليم، وأحذرك أن تكون إمام هذه الأمة الذي يقتل فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، ويلبس أمورها عليها ويتركها شيعًا لا يبصرون الحق لعلو الباطل، يموجون فيها موجًا، ويمرجون فيها مرجا».

فرد عليه سيدنا عثمان بقوله «قد علمت والله ليقولن الذي قلت، أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ولا عبت عليك ولا جئت منكرًا، أن وصلت رحمًا وسددت خلة وآويت ضائعًا، ووليت شبيهًا بمن كان عمر يولي. أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال: نعم. قال: فتعلم أن عمرًا ولاه؟ قال: نعم. قال: فلم تلمني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته؟» فرد عليه سيدنا علي قائلًا: «إن عمرًا كان يطأ على صماخ من ولى إن بلغه عنه حرف جلبه، ثم بلغ به أقصى العقوبة وأنت لا تفعل، ضعفت ورققت على أقربائك».

إن القاعدة السياسية التي أبدعها سيدنا عمر جعلت رؤوس أفاعي السياسة من تهوى قلوبهم رعية الناس، وإغراق سفينة الأمة في جحورهم «إن عمرًا كان يطأ على صماخ من ولى إن بلغه عنه حرف جلبه، ثم بلغ به أقصى العقوبة».

أمَّا من أراد أن يشفي قلبه ويتزن عقله فعليه بكتاب العواصم من القواصم في تحقيق مواقف الصحابة بعد وفاة النبي، من تأليف الحافظ والقاضي أبو بكر بن العربي فيه درء عن كل كلمة قيلت في حق سيدنا عثمان وإنصاف لهذا العلم الجليل.

يتبع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد