يكثر القرآن الكريم من ذكر قصص الأولين عسى أن نتعلم منها ونتخذها عبرة وفي ذلك إشارة لمدى أهمية التاريخ ودراسته، كما أنه كثيرا ما تعود ذاكرتنا إلى أيام الصحابة الكرام، محاولين أن نقتدي أو نتعلم منهم فضلا عن أهمية الرجوع إلى الأحداث التاريخية لفهم الظروف المحيطة بنزول آية كريمة أو لفهم حديث نبوي، مما يعني أن التاريخ له أهمية كبيرة في الدين الإسلامي. لكن في نفس الوقت التاريخ الإسلامي طويل وشغلت الحضارة الإسلامية حيزا كبير من الزمن، وكانت مليئة بالأحداث ومن هنا كان الكثير من الكتب التاريخية التي تتناول الحقب التاريخية المختلفة وكثير من مؤرخي تاريخ الإسلام المعروفين في الماضي والحاضر.

 

ولما كان التاريخ في جزء كبير منه رصد لحركة مجتمع أو دولة ما، فإننا نتوقع أن ندرس الكثير عن هذا المجتمع عن حكامه وقواده  وعلمائه وأهم من ذلك عن شعبه الذي خرج منه هؤلاء العلماء والحكام.

 

وبالنظر لكثير من المؤلفين المعاصرين أو السابقين منهم الذين يكتبون التاريخ الإسلامي، وكذلك الكتب المدرسية، نجد أنهم في الغالب يكتبون تاريخ الملوك والقادة والفتوحات وربما العلماء لكن لا يعرض لنا أحد كيف كان المجتمع الإسلامي آنذاك ولا كيف كان الناس يعيشون في تلك الأزمنة.

 

نسمع كثيرا عن فتوحات الدولة الإسلامية هنا وهناك، ولكن أيضا الفتوحات لم تكن ذاتية، فكان ينفق عليها لتجييش الجيوش وينشأ عن تلك الانتصارات رعايا جدد للدولة الإسلامية وفي كثير من الأحيان أسلاب وسبايا، وفيما يبدو إنه غير متداول ومعروف في كثير من كتب التاريخ عن المجتمع أثناء تلك الفتوحات، مثلا هل كانت لتلك الأمجاد التي تروي لنا كتب التاريخ عنها صدى على رفاهية المجتمعات وحياة الناس فيها أم كان يتمتع بها قلة من الناس؟ هل كانت الأخلاق منتشرة أم أن المجتمع كان مثل مجتمعنا اليوم؟ كيف كان يعيش الإنسان العادي يومه ويتفاعل مع تلك الأحداث والفتوحات؟ هل كان سعيدا بها أم تعني له مزيدا من الضرائب والجبايات لتجييش الجيوش؟ كيف كان ينظر الناس لملوكهم ويتفاعلون معهم؟

 

تلك الأسئلة وغيرها لا نجد لها صدى أو إجابات في أكثرية كتب التاريخ الإسلامي المتداولة، وهي بذلك تقدم لنا التاريخ كالشخص الأعرج الذي يمشي على ساق واحدة.

 

كمثال بسيط على ذلك لو كتبنا عن مصر الآن من وجهة نظر مستقبلية بالطريقة المتعارف عليها لظهر لنا كالآتي:

 

“ونشبت في مصر ثورة عظيمة، وفقد الكثيرون حياتهم وبدأ الصراع والتناحر بين السيسي وجماعة الإخوان المسلمين حين تولى محمد مرسي شئون الحكم وقد عين السيسي وزيرا للدفاع لكن سرعان ما تغير الأمر حيث خرج المصريون في الشوارع مرة أخرى فاستلم السيسي دفة الحكم وأودع مرسي السجن واستمر الصراع بين سلطة السيسي والإخوان بين تفجيرات وقتل من هذا الجانب وذاك والمجتمع بينهما”

 

تلك نبذة قصيرة لكيف يمكن للتاريخ أن يظهر مستقبلا وقد يزيد اسم أو بضعة أسماء هنا أو هناك، لكن يبقى السؤال هل الأمور كانت هكذا فقط؟

 

أين الآخرون؟ أين المصري الذي يعيش على هذه الأرض؟ لماذا خرج المصريون مرة ومرة وكيف كان شعورهم وأمالهم وطموحاتهم؟ كيف كانوا يتفاعلون مع الأحداث، كيف كانت أخلاق المجتمع آنذاك؟ كيف تأثروا بسلوك القائمين عليهم؟

 

هل تحسنت أخلاقهم أم ساءت في كل مرة؟ وكيف أثر ذلك على خروجهم مرة أو أكثر مرة؟ أغلب الظن أنه لو استمر التأريخ بتلك الطريقة لن نجد إجابات لكثير من تلك الأسئلة وستكون نظرة أحفادنا أو من بعدهم عرجاء كنظرتنا ولن يعرفوا عن أجدادهم “ولا أقصد حكام أجدادهم”، الذين ربما عانوا في هذه الفترة أو تلك.

 

بمعنى آخر التاريخ الإسلامي المكتوب والمتداول في الكتب المعروفة يتناول ويركز على الملوك وحياتهم وأمجادهم أو النواحي العسكرية فقط، لكننا لا نعرف كثيرا عن الناس والمجتمع في تلك الفترة وبذلك تكون رؤيتنا التاريخية منقوصة بشكل كبير بل ربما تكون غير واقعية.

 

ولمن يريد معرفة كيف يمكن أن تكون النظرة المنقوصة للتاريخ لها تأثيرات سلبية على الوعي، أن يطلع على كتاب ” كل رجال الباشا- محمد علي وجيشه وبناء مصر الحديثة” وهو يقدم رؤية أكثر توضيحا وتكميلا لهذه الفترة مركزا على المصريين وأحوالهم في تلك الفترة.

 

نقطة أخرى شديدة الأهمية وهي كما يقول بيجوفيتش أن نصف التاريخ يمكن معرفته من كتابات المؤرخين أما نصفه الآخر فيعرف من كتابات الأدباء، فإذا كان المؤرخون نظرا لعدة اعتبارات منها ضيق الوقت والقدرة، يجمعون الناس في المجتمع في كتل موحدة، مما يمسخ ذات الإنسان الذي يعيش في هذا المجتمع، فإن الأدباء هم من يعطون لنا نظرة أقرب لهذا الإنسان الفرد. كيف يعيش وكيف يشعر وخلجات نفسه وآماله وطموحاته كمثل كتابات الأدباء الروس أيام روسيا القيصرية كما يمكن للأديب أن يرينا المجتمع في فترة معينة من خلال حياة فرد واحد، مثل روايات جورج أورويل وغيره.

 

ربما تكون المشكلة التي دفعت كثيرا من المؤرخين إلى أن يهملوا هذا الجانب من حياة الإنسان والمجتمع، أن كتب الأدب كالأغاني والعقد الفريد كانت تجمع للتسلية، فلا يعرف أي أحداثها صادق وأيها كاذب، وبذلك أهملها كثير من المؤرخين بالكلية، وذلك في الوقت الذي يأخذون فيه من تاريخ الطبري دون تحقيق، وهو وضح أنه جمع الأخبار ولم يحققها كي يعرف أيها صادق وأيها كاذب!

 

ومن هنا يظهر لنا دور الأدب والأدباء الكبير الذي يمكن أن يلعبوه في معرفتنا بتاريخنا وتشكيل وعينا. ترى هل قام أدباء الأمس أو اليوم بدورهم؟

 

وفي الختام نظرا لأهمية التاريخ في تشكيل وعينا ونظرتنا لأنفسنا والعالم، يبدو أنه علينا أن نعيد النظر في طريقة قراءة وكتابة تاريخنا كي ندرك البعد الكامل لحضارتنا وتاريخنا ونبني منه أحكاما صحيحة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد