جلب الحبيب محبة قاطعة، سعة في الرزق، مجربات فك السحر والحسد والمس والتابعة والقرين، وغيرها الكثير من الأمور التي يندى لها الجبين، وتشمئز منها الروح، هكذا هي أحوال الناس خيرة واستخارة على أمور غيبها معروف، لو أننا تقبلنا الواقع وعشنا على هذا الأساس.

إن عنوان المقال يمكن أن يمس البعض أو يخلق في نفوسهم بعض الغضب على ما كتبت، وقصدي هنا من الكهنة المسلمين هو العرافة والرجم بالغيب كما يفعل الكهنة اليهود، لا علماء الدين الذين أكن لهم كل الاحترام والتقدير.

أغلبنا يشاهد قنوات التلفاز الإعلانية، حتى وإن كانت محض صدفة حين يقلب بجهاز التحكم، سيستوقفه بعض الإعلانات التي أصبحت أكثر حتى من الأفلام، من سحر ودجل وشعوذة، بل أصبح لهم قنوات خاصة تبث هذا السم في مجتمعنا العربي.

ضحك على العقول

لقد تصفحت كثيرًا من كتب السحر التي أصبح تداولها أمرًا عاديًّا جدًّا، بل إن هناك مواقع على الإنترنت مختصة بهذه الكتب، ورأيت فيها الرياضات الروحية والمقصود منها الصيام لأيام محددة، والخلوة بعيدًا عن الناس، وأيضًا الابتعاد عن أكل كل شيء فيه روح، والثوم والبصل حسب أقوال مؤلفي هذه الكتب، ويشرحون الأسباب من هذا كله أن الثوم والبصل من المنفرات؛ أي ما ينفر ويجزع منه الجن، لأن أغلب استخدامات السحر تكون عن طريق إحضار جن بتلاوة كلمات محددة، وتسمى العزيمة، والغريب في هذا كله أن العزائم دائمًا ما تكون فيها أسماء بالعبرية، وهي من الأسماء المقدسة للذات الإلهية. وأنا هنا ليس بصدد نفي السحر من الوجود؛ فهو حقيقة موجودة ومعروفة.

قال القرافي: «السحر له حقيقة، وقد يموت المسحور، أو يتغير طبعه وعادته، وإن لم يباشره، وقال به الشافعي وابن حنبل» الفروق (4/ 149).

وصراحة ما استوقفني من شدة صدمتي حين تصفحت بعض المواقع، وما أكثرها على الإنترنت، هو جلب الحبيب، أي أن يجلب لك أي امرأة لممارسة الرذيلة معها، وآلاف التعليقات والمشاهدات لهذه المنتديات داخل المواقع، والأشد صدمة هو جلب المحارم أي أن يجلبوا الأم والأخت وأخت الزوجة، وغيرها من المحارم، أعاذنا الله وإياكم من هكذا أمور.

لا أعرف ما سبب انتشار هكذا أمور في مجتمع يفترض أنه يعرف عاقبة هكذا أمور، ويعلم إن صحت فهي حرام وغير جائز في حكم الشرع الإسلامي التعامل بهكذا أمور أبدًا.

هل خوف الناس من المستقبل يخلق لديهم حالة من القلق، وهذا القلق يخلق الاستعداد لتقبل الإيحاء، وفي ضل الإيحاء سيصدق الناس أي شيء، ولهذا ترى أغلب الناس متعلقة بالتخاريف والأوهام من قديم الأزل حتى يسيطروا به على خوفهم من الغد، الذي يخيفهم ويطاردهم ويوهموا عقولهم بأشياء لا وجود لها.

الإعلام والترويج لهكذا أمور

كثير من قنوات التلفاز المعروفة تروج وبكثرة لهكذا أمور، بل يقولون الشيخ الفلاني العالم الروحاني الوحيد في العالم القادر على عمل، ويدرجون عدة أمور يقدر عليها، من أهمها فك السحر والمس وتيسير الأمور المستعصية، وأيضًا سعة الرزق، فإذا كان شيخ فلان الروحاني قادرًا على زيادة رزق الإنسان فلم لم يزدد رزقه هو، ولم يحتاج للأموال التي يتقاضاها من أولئك الذين يلجؤون إليه ويتركون الذي خلقه القادر على كل شيء.

بعضهم يقول لك سيحدث هكذا أمور هذا العام، وسيدمر بلد كذا، وسيستتب الأمن في البلد الفلاني، وكلها ترهات، والأدهى أن بعضهم يتصل به ويحاوره ويشيد به وبأعماله، وكأنه أينشتاين عصره أو نيوتن في صغره.

لا أعلم، ألا يوجد قانون رادع لمثل هذه القنوات التي تروج للسحر والسحرة؟ هل قوانين الدول العربية تسمح بممارسة السحر علنًا وجهارًا هكذا، أم أن العالم المتحضر يعمل بالسحر، وأن من يديرون سنغافورة مثلاً هم من الجن المتعلم في جامعة هارفارد، لا أعلم هل وصلنا إلى هذا الحد من الإسفاف والانحطاط في الأخلاق والقيم؟ هل هكذا تربينا هل هكذا تعلمنا من ديننا؟

ما حكم الشرع الإسلامي في هذه المسائل؟

قال الشيخ عبد العزيز بن باز: نظرًا إلى كثرة المشعوذين في الآونة الأخيرة ممن يدَّعون الطب ويعالجون عن طريق السحـر أو الكهانة، وانتشارهم في بعض البلاد واستغلالهم للسذَّج مـن النـاس ممن يغلب عليهم الجـهل، رأيتُ من باب النصيحة لله ولعباده أن أبيِّن ما في ذلك مـن خطـر عـظيم على الإسلام والمسلمين؛ لما فيه من التعلق بغـير الله – تعالـى- ومخالفة أمره وأمر رسوله – صلى الله عليه وسلـم- فـأقول مستعينًا بالله تعـالى :يجـوز التداوي اتفاقًا، وللمسلم أن يذهب إلى دكتور أمراض باطنية أو جـراحية أو عصبية أو نحو ذلك، ليشخص له مرضه ويعالجه بما يناسبه من الأدوية المباحة شرعـًا حسب مـا يعرفه في علـم الطب؛ لأن ذلك من باب الأخذ بالأسباب العادية، ولا ينافي التوكل على الله، وقد أنزل الله -سبحانه وتعالى- الداء وأنزل معه الدواء، عـرف ذلك من عرف وجهله من جهله، ولكنه -سبحانه- لـم يجعل شفاء عباده فيما حرمـه عليهم، فلا يجوز للمريض أن يذهب إلى الكهنة الذين يدَّعون معرفة المغيبات ليعرف منهم مرضه، كما لا يجوز له أن يصدقهم فيما يخبرونه به، فإنهم يتكلمون رجمًا بالغيـب أو يستحضرون الجن ليستعينوا بـهم على ما يريدون، وهؤلاء حكمهـم الكفـر والضلال إذا ادَّعوا علم الغيب، وقد روى مسلم في صحيحه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مـن أتى عرافًا فسأله عن شيءٍ لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»، وعن أبـي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أتى كاهنـًا فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمَّدٍ -صلى الله عليه وسلم-» رواه أبـو داود، وخـرجه أهل السنن الأربعة، وصححه الحاكم عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بلفظ: «من أتى عرَّافًا أو كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد -صلى الله عليه وسلم-»، وعن عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس منا من تَطير أو تُطير له أو تَكهن أو تُكهن له أو سَحـر أو سُـحر له، ومن أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على مـحمد -صلى الله عليه وسـلم-» رواه البزار بإسناد جيد.

نعم السحر موجود، وله تأثير في أذية البعض، ولكن معرفة الغيب والرجم به هذا شيء محال، ولو كان للجن معرفة بالغيب وما سيكون في المستقبل لتكهنوا بأنفسهم حين مات سيدنا سليمان، وهم دائبون بعملهم لا يعلمون بموته.

قد ذكرها الله في سورة سبأ: «فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ».

هذا أفضل جواب على من يصدقون بمعرفة الجن بالغيب والأمور الغيبية التي لا يعلمها إلا الله -عز وجل-.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الاسلام سؤال وجواب
عرض التعليقات
تحميل المزيد