بمزيج من الحزن والأسى والألم، وبأذهان تعتصرها الدهشة، وبقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره تلقيت هذا الخبر منذ بضع سنين في بداية اضطلاعي بهذا الشأن، أو ربما يكون هذا الخبر هو الذي تلقاني.

قد تقرأ عنوان المقال فيتبادر إلى ذهنك أنه ربما قصد الكاتب بعض علماء المسلمين الذين هاجروا إلى بعض الدول الغربية ليكملوا دراساتهم هناك فاستسلموا إلى الإلحاد بعد أن اختنق إيمانهم بغبار الثقافة المادية لتلك الدول الكافرة التي بَعُدت عن طريق الله كما بعُدت ثمود. ولكن الحقيقة على غير ذلك.

هل تذكر العلماء المسلمين الذين أثرَوا العلم في عصر النهضة الإسلامية أولوا الاختراعات والاكتشافات التي أذهلت العالم آنذاك وألهمت من بعدهم علماء أوروبا في القرون الوسطى؟ هل تذكر ابن سينا صاحب القانون في الطب؟ هل تذكر ابن المقفع صاحب الأدب الكبير والأدب الصغير وترجمة كليلة ودمنة؟ ماذا عن الفارابي وأعماله الفلسفية؟ وأبي بكر الرازي صاحب الحاوي في الطب؟ وجابر بن حيان مكتشف الصودا الكاوية وماء الذهب وحمض النيتريك وحمض الكبريتيك وغيرهم؟

 

هل تذكر كل هؤلاء العلماء المسلمين الرواد الذين بلا شك درستهم في الكتب المدرسية؟ معلومة واحدة فقط لم تذكرها تلك الكتب المدرسية عن هؤلاء العلماء الأفذاذ ربما تكون قد سقطت سهوًا أو ربما ارتأى مؤلفو تلك الكتب أنها خارج السياق أو غير ذات شأن ألا وهي أن أولئك العلماء المسلمين هم في واقع الأمر ملحدون!

 

نعم اندهش قليلًا لا بأس، ثم أعد قراءة الفقرة السابقة وأسماء العلماء مرة أخرى. هل انتهيت؟ حسنًا سأتركك برهة مع مرحلة الإنكار التي عادة ما تكون مصحوبة بالقدح في شخص الكاتب الضعيف واتهامه بمحاربة الإسلام ومحاولة تشويه صورة العلماء المسلمين طبقًا لمخطط صهيو- تركي – قطري – أمريكي يهدف إلى تشويه سمعة وصورة علماء مسلمين لطالما افتخرنا بهم كمسلمين وكم تعلقنا بأهداب إنجازاتهم واستظلينا بظل أعمالهم من قيظ شمس العلوم الغربية المحرقة وإنجازات العلماء الكفار الملاحدة التي لا قبل لنا بها الآن ولا ناقة لنا فيها ولا جمل إلا فيما ندر.

 

ثم يتبع ذلك بحثًا حثيثًا في محركات البحث للعثور على أي مقال أو مدونة هنا أو هناك لنفي ما جئتُ به من الإفك بحق هؤلاء وأخيرًا تنتهي مرحلة الإنكار بنسخ عناوين تلك المواقع هنا في قسم التعليقات أسفل المقال مصحوبة بما تيسّر من السباب والقوالب المحفوظة على نحو “الحرب على الإسلام” وغيرها.

وربما فعلت كل ذلك حتى دون استكمال قراءة بقية المقال فالأسهل دائمًا هو الإعراض عما ينغّص علينا والالتفات عنه واتباع سائر آليات الهروب الأخرى بدلًا من مواجهة ما لا نطيق التعاطي معه خاصة إن استدعى ذلك الخوض في منطقة محرمة ملغومة كهذه.

 

لن يتسع المقام هنا لشرح تفاصيل معتقد كلّ منهم ومقدار انحرافه معياريًا عن “إجماع الأمة” فيما يخص الأصول القطعية في الدين كرأي ابن سينا في وحدة الوجود أو إنكار الرازي للنبوة أو قول ابن المقفع بأزلية الكون، ولكن إن شئت يمكنك قراءة التفاصيل في كتابيّ “شخصيات قلقة في الإسلام” و”من تاريخ الإلحاد في الإسلام” للدكتور عبد الرحمن بدوي.

 

ولكن ما أنا بصدده الآن هو تناول هذا الأمر من محورين اثنين، أولهما هو محاولة تفسير هذه الظاهرة أو الاقتراب من السبب الذي دفع أولئك العلماء إلى الانحراف عقديًا عن المسار العام لأقوى الدول وأكثرها تقدمًا وتحضرًا آنذاك.

والمحور الثاني هو استخلاص بعض الدروس المستفادة بالنظر إلى القصة مرة أخرى ولكن من ارتفاع 1000 قدم لعلنا نرى ما لا يراه معظم المراقبون للمشهد خاصة ممن يمتهنون حرفة الاصطياد في الماء العكر من الأصدقاء الملحدين.

 

المحور الأول: الأسباب والدوافع
تجنب السطحية والبعد عن التعليلات السريالية العاطفية والنظرة الجيوسياسية هي الوصفة الصحيحة للعثور على تفسير يلامس العقل كما يلامس الواقع. وكبداية لابد من فحص المنطقة الزمنية والجغرافية التي ينتمي إليها أولئك العلماء نشوءًا ومعيشة وهي كالتالي:

 

ابن المقفع (724ـ759 م) فارس.
جابر بن حيان (721-815 م) فارس.
أبو بكر الرازي (864-923م) فارس.
الفارابي (874-950 م) فارس وآسيا الوسطى.
ابن سينا (980-1037 م) فارس وآسيا الوسطى.

 

ملاحظتان لا يجب أن تخطئهما عين القارئ، الأولى هي تركزهم في منطقة فارس وآسيا الوسطى (فارس وتركستان وما وراء النهر، إلخ) والملحوظة الثانية والتي لا تقل أهمية بأي حال من الأحوال هي وقوعهم جميعًا في ظل العصر العباسي (750-1258 م).

 

لماذا فارس؟ قد تلهمك الإجابة القصة المقتضبة التالية والتي ربما تعلمها لأول مرة.

 

كان كسرى انو شروان ملك الفرس (501-579 م) راعيًا كبيرًا للفلسفة والمعرفة وكان فيلسوفًا ويقال أنه تعلم الفلسفة من الفيلسوف الفارسي بول. وكان مهتمًا بشكل كبير بالفلسفة اليونانية والهندية والعلوم والرياضيات والطب. وبعث السفارات والهدايا المتعددة إلى بلاط الهند وطلب منهم إرسال فلاسفة للتدريس في بلاطه وقام بترجمة الكثير من النصوص اليونانية والسنسكريتية والسريانية إلى اللغة الفارسية.

 

في عام 529 م أغلق جستنيان الأول Justinian I (ملك بيزنطة آنذاك) المدارس الفلسفية الأفلاطونية في أثينا وطرد كل الفلاسفة من اليونان وروما فبعث كسرى إليهم جميعًا واستضافهم وأسس مدارس فلسفية وعلمية في فارس. وقيل أنه حصل على لقب الملك الفيلسوف الأفلاطوني من قبل اللاجئين اليونانين بسبب اهتمامه الكبير بالفلسفة الأفلاطونية. وللقصة المزيد من التفاصيل ولكني سأكتفي بهذا القدر فقد أصبح واضحًا تأثر تلك المنطقة بفلسفة اليونان الوجودية الأفلاطونية التي انتقلت بذاتها إليها بالإضافة إلى الفلسفة الهندية ولذا تجد آراء أولئك العلماء خليط من هذا وذاك.

 

أضف إلى ذلك أن تلك المنطقة ظلت قلقة عقديًا بشكل تجلى كثيرًا مع بدايات العصر الأموي (وما أدراك ما العصر الأموي!) خاصة بعد ظهور الزنادقة المانوية أتباع ماني بن فتك (ربما أفردنا مقالًا للحديث عنهم لفرط أهميتهم وتأثيرهم في الفكر السائد آنذاك).

 

فما بال العصر العباسي إذن؟
كان العصر الأموي وبدايات العصر العباسي وبالًا بلا شك على صورة الإسلام (إن صح التعبير)، وكان لانتشار ما عرف فيما بعد بفقه الحرب (أو فقه الطوارئ إن شئت) عظيم الأثر على الكثير من العلماء خصوصًا الذين لم يتقبلوا القمع الذي مارسه الأمويون والعباسيون على عموم الناس باسم الدين وانتشار فتاوى على نحو من تمنطق فقد تزندق وتكفير الفرق الكلامية التي ظهرت وازدهرت أوائل العصر الأموي وخلال العباسي كالمعتزلة والأشاعرة وتكفير حتى المتصوفين كالحلاج مثلًا.

 

ويكفي أن تعلم أن حد الردة تم “اختراعه” على يد الإمام الأوزاعي أحد أوائل فقهاء الدولة العباسية ومن بعده ابن تيمية الذي أفتى بتكفير من جهر بالنية للصلاة ثم ذهب إلى أبعد من ذلك فأفتى بقتل من أبطن الكفر، فيقول ابن تيمية “أما قتل من أظهر الإسلام وأبطن الكفر فهو المنافق الذى يسميه الفقهاء بالزنديق فأجمع الفقهاء على أنه يقتل وإن تاب”! أي لا تجديه التوبة، طالما رأى الفقهاء أنه زنديق، بمعنى أنه يفتي بقتل الناس جميعًا ربما من باب الاحتياط لأننا بالطبع لا نعلم ما يُبطن الناس من الكفر.

 

لا يمكن تجنب الشك في أن بعض آرائهم كان ربما نوعًا من السفسطة العنادية على تلك السلوكيات والأيديولوجيات الشاذة باسم الدين وربما كرهًا في الدين نفسه لذات السبب كما هو الحال الآن مع الكثير من الملحدين الجدد أو اللاأدريين.

 

المحور الثاني: ملاحظات وتأملات وخواطر
أترك بين يدي القارئ الحاذق مجموعة من الملاحظات التي لا تخلو من الرسائل المبطنة كختام لهذا البحث المقتضب في أمر أدرك جيدًا حساسيته:

– على اختلاف معتقداتهم من إنكار نبوة أو ادعاء وحدة الوجود أو إنكار البعث، إلخ لم ينكر أي منهم إطلاقًا وجود الله ولا حتى شكّوا في ذلك فأسوأهم طريقة وأبعدهم منهجًا كان ربوبيًا يؤمن بوجود إله خالق.

– وصل هؤلاء في عقود قليلة إلى حد من العلم لم يبلغه بشر سبقوهم بملايين السنين ومع ذلك لم يبرر أيّ منهم إلحاده بأن ما وصل إليه من العلم يقتضى أو يبرهن على عدم وجود الله أو عدم الحاجة إلى وجوده أو حتى القول باللاأدرية بل كان منهم المتصوفون.

– على إلحادهم (أو على الأقل كفرهم) هذا والمعروف لدى الجميع والواضح في كل كتبهم وكتاباتهم لم يُقَم عليهم حد الردة ولم يُعْلم عنهم أنهم عاشوا مطاردين طوال حياتهم بل على العكس كانوا بالاستقرار والهدوء اللازمين للدراسة والبحث والتعلم والإنتاج وإصدار الكتب، إلخ. سبحان الله!

 

– ومن قال أن علماء تلك الفترة فقط هم وحدهم من كانوا ملحدين؟ بل كان هناك الكثير من الزنادقة من العوام فليس الأمر مرتبط بما وصلوا إليه من العلم.

– من الظلم اختزال علماء الإسلام في هؤلاء، فما بال ابن النفيس وأبي حامد الغزالي ويعقوب بن إسحاق الكندي والخوارزمي وابن الهيثم وأبو الحكم الدمشقي والإدريسي والبيروني والمقريزي والإصطرخي وأبو القاسم الأنطاكي والمجريطي؟ هذا فيما يخص المشتغلين بالعلوم الطبيعية فقط فضلًا عن بقية علماء العلوم الإنسانية.

– تواترت روايات غير ثابتة عن رجوع بعضهم إلى عقيدة الإسلام في أواخر حياتهم ولكن لم يثبت لديّ هذا وحقيقة لا أبالي بهذا سواءٌ ثبت أم لا.

 

وأخيرًا لا أجد أبلغ من قول الله “وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر”.

 

وأختم بقوله سبحانه “ومن يدعُ مع الله إلهًا آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون”.

فإنما حسابه عند ربه، فإنما حسابه عند ربه.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد