يأتي رمضان هذا العام على الأمة الإسلامية بحال يُرثى لها من الضعف والتفتت والتناحر فيما بينها، وخيانة بعض أبنائها لها وموالتهم لأعدائها، وكل هذه الآفات عرفتها الأمة المسلمة من قديم الزمان، ولكن الآفة الجديدة التي تسترعي التوقف والنظر فيها هي آفة (جهل المسلمين بأحوال بعضهم البعض) فتجد معظم المسلمين لا يعرفون شيئًا عن المسلمين خارج دولتهم أو خارج قارتهم أو خارج لغتهم، فمن الصعب مثلًا أن تجد مسلمًا الآن يحصي لك عدد الدول المسلمة وعدد المسلمين في أرجاء العالم وهذه معلومات بديهية وسهلة، فكيف بنا إذا طلبنا منه معرفة أحوال الجالية المسلمة في أي دولة المسلمون فيها أقلية؟

 

إن غياب الوعي بأحوال المسلمين لا يمكن تبريره في عصرنا هذا، ونحن في عصر التكنولوجيا التي اقتحمت كل الديار فأوجدت التلفاز بأجهزة استقبال الأقمار الصناعية والحاسوب بالإنترنت بل إن الهواتف الشخصية المحمولة الآن أصبحت تغني غنى هذه الأجهزة وتوفر لك أي معلومة تطلبها.. فقط ما عليك إلا أن تريد، ويبقى السؤال: لماذا لا نريد معرفة أحوال غيرنا من المسلمين؟ ولماذا لا نهتم بأحوالهم؟ سؤال يجب طرحه ومناقشته جيدًا.

 

أذكر في الماضي انشغال المسلمين كلهم بانتفاضة فلسطين الأولى والثانية وانشغالهم بكوارث البلقان ثم بحرب أفغانستان وبدأ هذا الانشغال يخفت قليلًا في حرب العراق 2003، وهكذا حتى وصل حالنا إلى الصمت التام، بل لا متابعة حتى للأحداث.

في الأيام الماضية لم أسمع مثلًا عن وقفة احتجاجية أو بيان استنكاري لأحداث تستحق الاهتمام مثل قرار الحكومة التشادية بمنع النقاب الإسلامي، أو مثلًا طلب وهو في الحقيقة إجبار السلطات الصينية للمسلمين على عدم صيام رمضان هذا العام وإجبار أصحاب المطاعم المسلمين باستمرار أعمالهم في نهار رمضان ومنع الأطفال من الصيام في المدارس، أو على سبيل المثال اقتراح الحكومة الأسترالية بتجريد المسلمين من الجنسية.. رغم أن هذه الإجراءات التعسفية تخص مسلمين مثلنا ينتمون لنفس ديننا ويصلون لنفس قبلتنا.

ذكرتُ هذا من باب التمثيل لا الحصر – وإلا فآلام المسلمين حول العالم لا يحصيها العد- لكي أقف على حالنا المُزري الذي تبددت فيه كل معاني وحدتنا كأمة إسلامية من المفترض أنها شهيدة على باقي الأمم وها هي تعجز أن تكون شهيدة أو حتى مراقبة لأحداث بعضها البعض.

يبدو أنني مضطر أن أذّكر ببعض البديهيات الطفولية المعرفة، إن المسلمين تجمعهم ديانة واحدة هي الإسلام وهذا ينتج عنه وحدة في الشعائر والشرائع والمشاعر، وحدة الشعائر التعبدية بحكم توجههم لإله واحد لعبادته وطلبهم رضاه، ووحدة الشرائع المتمثلة في الدساتير والمبادئ العامة للقوانين بحكم تقيدهم بمبادئ الشريعة الإسلامية، ووحدة المشاعر الناتجة عن سابقيتها وعن مفهوم الولاء الذي هو شرط من شروط كونهم مسلمين.

لكن في وضعنا الحالي كمسلمين، تبددت وحدة الشعائر تحت التعصب لاختلافات فرعية، وبدلًا من أن نستغل تلك الاختلافات في فهم الوحي “القرآن والسنة” لصالحنا بأن تكون مجموعة ثمينة من الأفكار نتناولها سويًّا وتجمعنا الأصول التي لا اختلاف فيها ويسعنا الخلاف تحت مظلة تلك الأصول.

أقول بدلًا من ذلك ذهبنا إلى الفرعيات المُختلَف فيها ورفعناها فوق قدرها ويكأننا نبحث عن أي سبب لنتشتت، وتبددت وحدة الشرائع وياليتها تبددت حول أمور خلافية داخل الفكر الإسلامي.. لكنها للأسف تبددت بعد أن تفرقت الوحدة الجغرافية الإسلامية على منضدة (سايكس بيكو) وبدأت كل دويلة من الدويلات المشتتة في اقتباس قوانينها من الأفكار المادية سواء الشيوعية أو الرأس مالية وتفرقت قوانيننا نحن المسلمين بين المذاهب الاقتصادية العقيمة العاجزة عن تحقيق الرخاء لأصحابها، وأخيرًا تبددت وحدة المشاعر فأصبح المسلم لا يدري ما يحصل لإخوانه في الدولة المجاورة وتزرّعنا لذلك الأسباب والحجج الواهية، وبدلًا من أن نتخطى قيود الحدود التي فصلنا بها الاستعمار عن بعضنا تكيفنا معها حتى على مستوى مشاعرنا الوجدانية واهتماماتنا التوعوية.

 

إن أمتنا الإسلامية تعيش الآن أشد عصورها فرقة وتشتتا، وأظن أن قضية مثل هذه وعلاجها أولى بالاهتمام من قضايا الغُسل والجنابة ومن قضايا كثيرة شغلت الساحة الإسلامية وليس لها أي فائدة.
شهر رمضان الذي من مقاصد صيامه تجسيد الوحدة الإسلامية من خلال صيام كل المسلمين في أيام معينة ومن خلال إحساس غنيهم بفقيرهم ومن خلال التزام أكثرية المسلمين بشعائره، شهر رمضان بمستلزماته التعبدية والاجتماعية هذه يواجهنا بحقيقة تشتتنا وتفرقنا التي يجب ألا تكون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد