“بسم الله الرحمن الرحيم”استهلالًا بتجديد النوايا أن تلك النصيحة لله ولرسوله، وأن ما سيكون من سطور هو محض اجتهاد لصاحبته ارتأت في كتمانه إثمًا عفانا وإياكم الله.

 

#انتفاضة_الشباب_المسلم
حركة أو دعوة أو تيار أو كما شاء أصحابه والداعون إليه تسميته “انتفاضة”قام عليها مجموعة من الشباب أحسبهم على خير (من النوايا) ساءهم ما لاقوا من تضييق وقمع ونهج لمحاربة “إسلامهم”، فعزموا الانتفاض نصرة لدينهم أمام الله وفقا “لاجتهادهم”.

 

دعوني بداية أتفحص كلماتهم بشيء من التحليل.
– “لما تعليق بوستر الصلاة على النبي يبقى جريمة”رصد واقعي لفعل أقدمت عليه سلطة الانقلاب العسكري خوفًا منها لكل ما يحمل الصبغة الإسلامية في العلن من أن يدفع الناس إلى الارتباط في المستقبل القريب بتحركات “الإسلام السياسي”.

 

– “لما تضرب سينا بالأباتشي” “لما السجون تبقى مليانة بأشرف ناس في البلد”.. جمل مختلفة عن تلك التي تقدمت عليها من حيث الدلالات الدينية المباشرة (لظاهر الشعائر) والاستدعاءات النفسية فيما عدا ما يتصل ببطش سلطة الانقلاب العسكري.

 

– “لما يتم السخرية من الهجرة النبوية في الجريدة الرسمية” “لما مادة التربية الإسلامية تتلغي من المدارس“ “لما وزير الأوقاف يفتخر أنه قفل 2000 مسجد”، “لما أذان الفجر يتمنع”، “لما الخلافة الإسلامية تبقى إرهاب” جمل اتصالية بالمقصد العام تتلاحم مع “قصد” السلطة الرسمية (في رأيهم) إهانة ظاهر الشعائر الإسلامية.

 

– “لما إسرائيل تمنع الصلاة في المسجد الأقصى واحنا لسه بنقول إن غزة عدونا الأول” هنا يجمع القائلون ما بين (هم ديني عام للأمة يتجاوز الأمر المصري) و(أحد عبارات قلة من الإعلام المصري) مما أسهم في تشويه الصورة الإسلامية العامة عند الجمهور، وتشبهها في الأمر الثاني جمل “لما يطالب بإلغاء الأزهر.. لما يبقى تعليم الرقص والشذوذ والزنا عادي في وسائل الإعلام.. وقنوات على النايل سات بيشتموا النبي والقرآن ليل نهار..”.

– “حرب على قيمنا وأخلاقنا وهويتنا.. علشان كده أعلنا انتفاضة الشباب المسلم” جملة محورية تلخص الدافع الأساسي وراء الانتفاضة كما يدل مصطلح الحرب (بأنها هجوم ودفاع، خطط واستحكامات أسلحة وصفوف)

 

– “علشان نرضي ربنا وربنا عمره ما هيرضى إلا لما نطبق شرعه” استخدام القصر والاستثناء يفيد التأكيد على أنهم أجزموا أن الله لن يرضى (عمره) إلا بعد (لما – تفيد الاستقبال في الزمن) تطبيق شرعه.

 

– “علشان الموارد تتوزع بالتساوي” جملة منفصلة تماما عما قبلها في السياق من حيث التأصيل المعرفي (هوية الخطاب) ومن حيث الإسقاط السياسي الذي اعتمدوه عند ذكر بعض جرائم سلطة الانقلاب العسكري في مصر. حيث أن الجملة تنتمي للخطاب الثوري العام ذي الخط اليساري المعرفي في ظاهرها الشائع عند عامة الناس (فخاصة الناس أي المفكرين هم على دراية تامة بأن ما من فكر سياسي قدم أطروحة لتساوي التوزيع للموارد وإنما حاولت الأطروحات اليسارية المتوسط منها والمتطرف الحديث عن توزيع الموارد وفقًا للحاجة ووفقًا للعمل) كما أنه يغاير التصور الإسلامي المعرفي الذي يقوم اقتصاد المجتمع فيه على (العدل وليس المساواة) مثلا إن منحت الدولة 300 جنيه إعانة لكل مواطن فلا يكون ذلك عدلًا لأنه قد يكون هناك مواطن مريض يحتاج إلى مبلغ أكبر لعلاجه أو لطلب العلم، أو مواطن دخله الشهري يفوق 30 ألف جنيه فهل من العدل الاجتماعي إعطاؤه نفس المنحة؟! هل يكون ذلك عدلا في توزيع الموارد؟!

 

وهكذا إلى آخر الجمل التي تناولت قضية المساواة والخدمات الاجتماعية وكرامة المواطن.

 

– “محتاجين ثورة ترجعنا لقيمنا وأخلاقنا” إذن يفترض من المتلقي فهم تلك الانتفاضة على أنها (ثورة) – مع الأخذ في الاعتبار الفارق المصطلحي والإجرائي ما بين تعبيري الانتفاضة والثورة – سوف تحدث تغييرًا جذريًا في البنية القيمية والأخلاقية للمجتمع.. “عشان تنهض بلدنا” جملة تتصل بتلك الجمل منزوعة السياق المعرفي بدلالاتها القومية الحديثة.

 

– “انتفاضة الشباب المسلم مش انتفاضة حزب ولا جماعة ولا تيار” في محاولة لنفي الاتهامات التي افترضوا استدعاءها في ذهن المتلقي بمجرد سماعه لدعواهم.

 

– “انتفاضة الشباب المسلم.. مش تكفير مش دم مش طائفية” وهي جمل تتصف كسابقتها بالجمل ذات الاستدعاء الإيجابي المعاكس.. أي أنها تحدث تأثيرًا قويًا عند المتلقي ولكن على عكس قصد قائلها. لأن مجرد ذكر تلك الاتهامات يستدعيها إلى الذهن ويترك أمر التقييم على المتلقي، فإذا ما أضفنا الدلالات الأخرى من باقي الخطاب يمكنه الحكم، وليس بالضرورة تطابق ما سوف يستنتجه المتلقي مع قصد مرسل الخطاب.

 

– “انتفاضة كل واحد فينا عايز حرية وكرامة وعدالة” وهنا قطيعة حالة وحادثة ما بين الشعار المرفوع والدافع المعلن بأنها انتفاضة الشباب المسلم لإحداث ثورة في القيم والأخلاق لينقلنا الخطاب نقلة ثورية من النوع اليساري العلماني لدلالات الثورة.

 

“28 نوفمبر.. انصر دينك.. حرر بلدك”

***

تحليل النص الدعائي الرئيسي للتعريف بالانتفاضة إنما هو وقوفا على نموذج لنوع الخطاب الذي يقدمونه.
وهنا تأتي عدة ملاحظات:-

*انطلق القائمون على الانتفاضة من اجتهادهم (الشخصي) في رفع الواقع ورؤية علاجه. وهنا تتأتى عدد من الأزمات منها أهلية هؤلاء الشباب المعرفية والقيادية والتنظيمية لمثل ذلك الاجتهاد. بأي أدوات مارسوا التحليل؟ا وبأي منهج ؟! وهل يكفي مجرد التفاعل الشخصي مع ما يحدث في الواقع لبناء مبادرة بهذا الحجم عليه؟!
إجابتي: لا.

حيث يتضح من تحليل الخطاب قصور حاد في التفرقة بين التحليل السياسي والتحليل الاقتصادي من جهة، والتحليل الثقافي الحضاري لقيم المجتمع من جهة أخرى. وقصور في الإلمام بمنهجيات التقويم الاجتماعي سواء تلك التي تنبثق من الفهم الصحيح للإسلام أو تلك التي تعارف على أغلبها جمهور علماء ومفكرين علم الاجتماع وعلم الأنثربولوجي وعلم النفس بما ينبثق من التصور المعرفي الغربي (المادي).

 

بل وقصور أسوأ في فهم الدين! وذلك ذكر على سبيل المثال لا الحصر: “ربنا عمره ما هيرضى إلا لما نطبق شرعه” وصف يتعارض مع العقيدة للذات الإلهية بأن الله الحي الذي لا يموت له عمر ويقصر رضاه على مرحلة بعينها من فعل البشر. ألن يرضى الله إذا ما سعيت لشرعه في حياتي ولم أفلح في تطبيقه العام على المجتمع ؟! ألن يرضى الله عن أجيال الدعوة الأوائل لأنهم لم يحققوا تمام التحقيق للغاية؟!

 

وعلي أي أساس تم الجزم بأن سلطة الانقلاب تنتهج نهجًا متواترًا في القصد والفعل لمحاربة الإسلام؟! وهنا أنا لا أرفض الادعاء أو أقبله ولكن أتساءل حول ماهية المنهج الذي بنوا عليه تصوراتهم.

 

بل دعونا نقف عند سؤال أولى من ذلك. أي إسلام نقصد و أي مفهوم للنصر نبتغي؟ أي تعريف للخلافة على أساسه نرفض ادعاءات الإعلام بشأنها؟! فحريٌّ بنا توضيح هذه المفاهيم لأنفسنا أولا كي نتمكن من دعوة الناس إليها والرد على الافتراءات بشأنها.

 

إذا وضعنا أنفسنا موضع المتلقي، فسوف نفهم الإسلام عندهم مساحة تتلاحم حدودها مع ذات المساحة للفكر العلماني القومي الحديث. ويمكنني تفهم أن من قاموا على الأمر – كما يتضح من الخطاب – ليسوا على دراية كافية بذلك التأصيل المفاهيمي، بل أنهم لم يعيروه اهتمامًا من البداية. وبناء على ذلك، فأي ثورة في القيم والأخلاق سيحدثونها إن لم يتخذوا منهجًا واضحًا للمعرفة بالقيم وتربية الأخلاق وتهذيب المجتمع . بل لنقل بتعريف “الشباب المسلم”؟!

ثم إذا ما نظرنا لمهاراتهم التنظيمية البحتة على الأقل في الدعاية، يمكن ملاحظة العديد من الأخطاء التقديمية التي تؤدي لاستدعاء صور شديدة التضاد مع قصد الخطاب. فاختلافنا مع مضمون الفكرة شيء وافتقار القدرة على تسويقها الجيد بما يحقق أهدافها شيء آخر.

 

*ثورة أو انتفاضة أيا ما كانت التعبيرات التي من الواضح أنه تم اجتلابها بظاهرها الشائع عند العامة دون دلالات فارقة وواضحة. ألا تحتاج تلك الثورة لخطة وعدة ورؤية تتلاءم مع الأهداف التكتيكية القريبة والأهداف الإستراتيجية البعيدة؟!

 

فما هو الطرح لتلك الثورة؟!
أم أنها مجرد دعوة لرفع شعارات كغيرها لتجديد مواجهات الشارع التي ألفها المجتمع المصري. ألف شعاراتها فارغة المضامين، وألف سبلها التي احترقت آلاف المرات على طاولات التقييم السياسي، وألف نتائجها وخسائرها في الأرواح والقاعدة الشعبية المساندة!

 

*العجيب في الأمر بالأساس وهو ما استدعى توقفي عنده، هو كيف تم اختزال مفهوم الدعوة ونصرة الدين على تظاهرات الشارع؟! هل سنقابل نهج الحرب على الإسلام من أعدائه – ذاك النهج المنضبط تنظيميا على جميع أصعدة حياة الإنسان – بشعارات وصيحات ورفع للمصحف؟!

 

لم أسمع أحدًا ينادي بضرورة بناء الوعي عند “الشباب المسلم” بدينه. لم أسمع أحدًا يراجع أصلا مفهومه عن الإسلام والخلافة والمجتمع والآخر. ففي حقيقة الأمر، إن مثل تلك التحركات لها من التأثيرات السلبية ما يمكنني أن أرقيه لمرتبة الجرائم في حق الدعوة إلى دين الله.

 

إذا أدت إلى اختزال وتسطيح مفهوم الإسلام في معارك سياسية ضيقة الأفق تدور رحاها على أرض من الثقافة الغريبة المغايرة لدين الله في جوهرها وظاهر منظوماتها. إذا أدت إلى فتح المجال لكل من أهمه أمر الإسلام للمباردة بفعل يقود فيه جماعة (عددا) من المسلمين دون أي دراية حقيقية بالفعل وتبعاته. إنما نقر ناموسًا للعشوائية وانعدام كفاءة الحركة في الدعوة إلى دين الله. بل يكفي جرمًا دمُ امرئ واحد على الأقل سيسيل في الشارع باسم الدعوة وحملًا على براءة القلب ونقاء النوايا دون أي جدوى تعود على الدين.

 

هل يمكن لأحد منهم أن يضع لي تصورًا عن النتائج المرجوة كي أتمكن من حساب التكلفة والعائد؟! ماذا ينتظر من تفاعل في الشارع؟! ما الذي سيجعل عامة الناس يميزون بين ذاك اليوم وغيره؟! بل ما الصورة الذهنية التي سترسم مع رفع المصاحف والهتاف باسمها عند أولئك الذين أسلموا عقولهم ونفوسهم للإعلام الرسمي والخاص؟! .. نعم. لا تكفي النوايا وحدها وإن خلصت للنجاح. وتوفيق الله لاحق على إتيان عباده بالسنن. سنن العلم والمعرفة، وسنن التخطيط والأخذ بالأسباب، وسنن القيادة والإدارة.

 

خلاصة الأمر، إذا ما فاضلت بين القعود في البيت محاولة إعدادي السليم للدعوة وتوعية من حولي وإن كان ذا مدى زمني طويل في مقابل نزولي للشارع يوم 28 نوفمبر لأرفع المصحف لأدعو الناس إليه بغير الحكمة والموعظة الحسنة مع احتمال قتلي في سبيل ذلك.

 

فإنني أرفض ذلك الأخير.
فلا لانتفاضة الشباب المسلم بهذا التصور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد