إن شابًّا ينشأ في مجتمع مزدهر ووطن ينعم بالعدالة والحرية والاستقرار من شأنه أن يكون جُل تفكيره في شؤونه الخاصة،أما إذا كانت النشأة في أوضاع غير مستقرة وغير مستوفية الحقوق للمواطنين وأيضا مهددة من قوى خارجية؛ فان هذا يجعل أولويات أي شاب وهمومه تنصب في الشأن العام أكثر من شؤونه الخاصة.

كل ما في الأمر أنني شاب مسلم أرى أن من حسن إسلامي بل من صميمه أن أحمل هَمّ كل مسلم بل همّ كل إنسان على وجه الأرض، وكان من بلائي أن أحيا في زمن أغلب المسلمين على مستوى الأفراد لا يحملون من الإسلام إلا اسمه وبعض شعائره التعبدية، وعلى المستوى العام فالمسلمون متفرقون إلى دويلات وياليتهم تفرقوا بسلام، ولكني رأيت نزاعات بين دول مسلمة وبعضها على أراضي أو موارد.

وعلى المستوى الخارجي فالمسلمون في العالم يمثلون خُمس سكانه، ولكنهم غثاء لا يُسمع لهم صوت ولا تُحترم لهم كلمة، بل إن بعض أراضيهم محتلة عسكريًا، وبعضها عليها حكام خونة تركهم الاستعمار خلفاء له في أوطانهم؛ ليعيثوا فيها فسادا، ويرسخوا فيها مبادئ القمع والديكتاتورية؛ فأصبح أمر أمتنا بين الاحتلال العسكري المباشر من عدوها وبين الوصاية غير المباشرة لهم، ودم المسلمين أصبح أرخص من أن يتم حصر عدد ضحاياهم، وعلى المستوى الاقتصادي فالمسلمون يستوردون معظم احتياجاتهم،  واجتماعيًا فحدّث ولا حرج عن غربة الدين الإسلامي بين أهله_أو المدّعين أنهم أهله.

والأشد على نفسي من هذا وذاك هو تشوه الخريطة المفاهمية والفكرية عند معظم المسلمين، فإني رأيتُ مسلمًا ينكر أن يحكمه الإسلام في حياته، بل ويحارب من أجل إبعاد كل ما يمت للإسلام بصلة عن التشريعات والقوانين، ورأيتُ مسلمين لا يهمهم أمر إخوانهم المسلمين الآخرين ولا ما يجري لهم من مجازر بشعة، فكل ما يشغله هو أمر حدود دولته التي رسمها له أعداؤه مسبقًا، بل إنه أحيانا يتغافل عن أمور المسلمين الذي يحيون في دولته، وأتى عليّ الزمن الذي أرى فيه مسلمًا يقتل أخاه المسلم بدم بارد، ويحرق جثته أو يعتقله ويذيقه سوء العذاب..

رأيتُ مسلمين يفعلون بإخوانهم ما يستحي الأعداء أن يفعلوه بهم، ورأيت لهؤلاء المجرمين شيوخ يساندونهم، ويبيعون دينهم بعرض من الدنيا، ومفكرون يدعمون ويبيعون فكرهم ببعض فُتات المناصب.. رأيتُ مسلمين ينعتون من يلتزم بشرائع دينه بالمتشدد، وينعتون من يهتم بأمر دينه ويتحرك لنصرته وإرساء قيمه بالإرهابي.

أعترف أنني لو تركتُ لخيالي العنان يفكر في أسوأ وضع يمكن أن يصل إليه حال المسلمين فإنني لن أتخيل أسوأ من وضع أمتنا الحالي في قرنها الخامس عشر.. إننا لم نرفع رأسا بدين نعتقده؛ فنتمسك به، ولا بدنيا نلهث وراءها؛ فنبنيها ونعمرها.

أعترف أني أدركت هذا الوضع المأساوي متأخرا، ولكني أدّعي أن بقلبي نارًا لا يخمدها إلا أن أسعى وأتحرك ﻷغير هذا الوضع إلى ما هو خير حسب معرفتي بقرآني الذي أتدبره وأتعايش في ظلال معانيه وسنة نبيي صلى الله عليه وسلم الذي أحبه وسير الصالحين من أمتي، يحدوني التفاؤل والأمل ثقةً ويقينًا بفرج الله ونصره لهذه الأمة ولدينها ولو بعد حين.

أرجو من الله قبل أن أغادر هذه الدنيا أن يوفقني لخدمة دينه ونصرة أمتي ورفع راية الحق والحرية والعدالة دائما وأن يثبتني على هذا، لديّ حُلم أردده من صغري حفظته عن أستاذي.. أن يتحقق في كل المسلمين المسلم المثالي في عقيدته وفكره وسلوكه ونشاطه، وتتحقق في العائلات الأسرة المسلمة التي تتكاتف لحمل همّ دينها وأمتها وينشأ الأولاد فيها على هذه التربية، ويتحقق في مجتمعاتنا ذلك المجتمع المسلم الذي يتعاون أفراده على البر لصلاح أمر دنياهم وعلى التقوى لصلاح أمر آخرتهم وأن تكون الحكومات في بلاد الإسلام قائمةً بقيم الإسلام من عدالة وحرية وكرامة ﻷفراد المجتمع، وأن تتحرر كل دول المسلمين من كل نفوذ أجنبي سواء عسكريًا كان أو اقتصاديًا أو اجتماعيًا أو سياسيًا فتصبح دول المسلمين ذات شخصية لا يتحكم بها أعداؤها.

ثم أن أرى هذه الدول المسلمة تتآلف وتتوحد ليس تحت مظلة بعض الشعارات الجوفاء ولكن اتحاد حقيقي يبدأ ويتدرج حتى تتلاحم الشعوب وتكون رابطة المسلمين قوية وكلمتهم واحدة وقوتهم على عدوهم، ولا أظن أن أي دولة أو قوة في العالم ستكون مثل قوة المسلمين، وعندها يسترد المسلمون رايتهم ﻷستاذية العالم، وإرشاده ودعوته إلى الإسلام في غير إكراه، ونصرة مظلومه وردع ظالمه.

وأعلمُ أن لي دورًا في تنفيذ هذا الحلم في أرض الواقع وأن لكل شاب غيور على دينه وأمته وتؤلمه أوضاعنا الحالية دورا لا بد أن يتحرك له.

إن الحقائق المُرة والواقع السيء يجب ألا ينعكسا علينا باليأس فليس اليأس من أخلاق المسلمين، إننا يجب أن نفتخر بديننا، أننا ننتمي إليه، ونسعى لإعلاء رايته، فنحن أولى بهذا الفخر من أصحاب ألوية القوميات والعرقيات، وإن المستقبل حتمًا لهذا الدين طال الزمان أو قصر.. وإنه ليشرفني ويشرف أي مسلم صادق أن يفني حياته وجهده في المساهمة لإحقاق الحق والتعجيل بالتمكين لهذا الدين.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد