– مؤخّرًا، انتشر منشورٌ لفتاة تسخر من مشهد من مشاهد الآخرة الّتي سجّلها القرآن الكريم؛ مشهد السّور الذي سيُضرب بين المؤمنين والمنافقين في الآخرة.

(يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم، قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، فضرب بينهم بسور له باب، ظاهره فيه الرّحمة، وباطنه من قبله العذاب).

وقد أوّلتِ المشهد باعتبار أنّ المقصود من الآية هم الكفّار (وليس المنافقين!)؛ وعامّة، فالمعنى صحيح، حتى لو تمّ إسقاطُه على مآل غير المُسلمين.

– وفي هذا الشّأن، أذكر أنّه قد استوقفني كتابٌ، لا أذكر موضوعَه ولم أقرأه، ولكنّ عنوانَه شدّني. الكتاب كان بعُنوان (سلطة الصّورة الذّهنيّة).

وفي الحقيقة، فإنّ كُلّ مفهومٍ – كالإسلام مثلًا – وكلّ شخص وكلّ موقف، نتعامل معه في الحياة، يترك لنا في أذهاننا صورةً ذهنيّة ما. وهذه (الحقيقة) بنيت عليها تفاصيلُ علميّة وفنيّة كثيرة، في أكثر من مجال، وخاصّة مجال العلاج (السّلوكي – المعرفي) في علم النّفس، وتطبيقاته في علاج الوسواس القهري والفوبيات، ومنها تجربة (الارتباط الشرطي) عند بافلوف.

وباختصار، يمكن تلخيص الأمر في أنّ كلّ مفهوم أو شخص أو تجربة أو موقف يترك فينا صورةً ذهنيّة ما. هذه الصّورة الذّهنيّة يستدعيها (العقل) كلّما تكرّرت التّجربة. ومنها تجربة بافلوف، الّتي بنيت على بناء ارتباط بين قرع جرس ما وبين إطعام الكلاب. وكانت النتيجة أنه كلّما قرع الجرس، سال لعاب الكلاب!

وإذا أردنا فكّ الارتباط الشّرطيّ بين الجرس والطّعام، لنوقف سيلان لعاب الكلاب؛ استبدلنا بـ(الطّعام) شيئًا آخر، وليكن شيئًا مخيفًا. حينها، تتغيّر استجابة الكلاب للجرس؛ فبدلًا من أن يسيل لعابُهم، أثرنا خوفَهم؛ رغم أنّ الجرس واحد!

ويمكنك أنت مراقبة مشاعرك الانفعاليّة الّتي تتحوّل سريعًا بمجرّد ذكر اسم شخص ما، أو استحضار خبرة ما مررتَ بها، سلبية كانت أو إيجابيّة.

– وبالمثل، فإنّ كثيرًا من المشكلات الّتي (يتوهّمها) غير المسلمين في الإسلام، ناتجة عن معلومة خاطئة، أو كما يسمّيها النّفسيّون (تشوّهًا معرفيًا Cognitive Distortion) أنتج (صورةً ذهنيّة) مشوّهة، تتكرر – تلقائيًا – كلّما اُستدعيت كلمة (الإسلام!).

فلو سألتَ (أيّ) أمريكيّ عن تأثير كلمة الإسلام عليه؛ فستجد أنّها تثير أفكارًا مرتبطة بـ(القتل/ العنف/ الإرهاب)، وبالتّبعيّة، مشاعر (الكراهية).

– وما كتبته هذه الفتاة هو نتاج تشوّه معرفيّ، يخلط بين (بيئة الوحي) = شبه الجزيرة العربيّة، والماضي السّحيق والصّحراء، والعرب؛ وبين (فلسفة) الوحي.

فإن كان الله قد اختار جنسًا معيّنًا، وظرفًا تاريخيًّا ما، وشخصًا مقصودًا؛ فإنّ هذا لا يعني أنّ هذه الرّسالة (روحًا وتفاصيلَ) ستكون على هذا النّحو (أبدًا)؛ وإن تأثّرت بها (طبعًا).

– والحقّ، أنّ هذا المنشور، وغيره من تخرّصات احتكار المسلمين الجنّة، إن دلّت على شيء؛ فإنها تدلّ على وقوع أصحابها فرائسَ للتشوّهات المعرفيّة وسُلطة الصّورة الذّهنيّة. وأنّ استمرار صمتنا تجاههم استمراءٌ للظلم الواقع على المسلمين، واستمراء للإصرار على اختزال انتماء الإسلام للعروبة/ الشّرق. رغم أن الإسلام – حقًا – أبعد ما يكون عن هذا الاختزال؛ اسمًا؛ فالإسلام يعني الاستسلام الكامل للّه. وروحًا؛ والتي عبّر عنها القرآن في مواضع كثيرة (ربّ «العالمين» – وربّ «المشرق والمغرب»). واعتقادًا؛ بإله واحد خالق للكون،  ابتعث آلاف الرّسل، مبشرين ومنذرين. وتطبيقًا؛ بفتح أكثر من نصف الكرة الأرضيّة، لنشر هذه الدّعوة المباركة.

غريبةٌ دعوات اتّهام المسلمين (وهم المسلمون!) بالعنصريّة؛ في الوقت الذي آثر فيه أناسٌ الانتماءَ إلى شخصٍ (المسيحيين!) وآمن فيه أناسٌ آخرون بإلهٍ قوميٍّ (اليهود).

وقد صدق أحد المستشرقين (تشارلز إيتون، إذا لم تخنّي الذّاكرة) حينما اعترض على وصف المسلمين في الغرب بـ(المحمّديين)؛ معللًا ذلك بأنّ هذا الدّين أبعد ما يكون عن الشّخصنة أو العنصريّة؛ إذ يقول محمّد نفسه: (إنّما أنا بشرٌ مثلكم يوحى إليّ أنما إلهكم إله واحدٌ؛ فمن كان يرجو لقاء ربّه؛ فليعمل عملًا صالحًا، ولا يشرك بعبادة ربّه أحدًا).

وهو القائل: (كلكم لآدم، وآدم من تراب؛ لا فرق بين عربيّ ولا أعجميّ، إلا بالتّقوى).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد