تنتشر بعض الأفكارعند كثير من المسلمين، وتروج ـ فى كثير من الأحيان ـ في الإعلام وغيره، عن تآمر الغرب على المسلمين وبلادهم، وسعي الغرب الدؤوب لإفشال المسلمين، عن كل طريق يؤدي إلى التقدم والتنمية، حتى تحولت هذه الأفكار إلى كوابيس تؤرق الكثير من المسلمين، واتخذوها شماعة يعلقوا عليها فشلهم، الذى يملأ الأرض طولًا وعرضًا، ولكن كيف لأمم تسبق المسلمين بآلاف السنين الضوئية أن يتآمروا على من صاروا أرذل الأمم، وأكثرها تخلفًا فى العلم والحضارة والقيم.

حقيقة المؤامرة

لايمكن الجزم بعدم وجود مؤامرة على المسلمين؛ لأنه بالفعل هناك من المؤامرات ضد الإسلام، لكن أن يسطر هذا الشعور على معظم المسلمين، فهو عين الفشل؛ لأن المسلمين هم من يتآمرون على أنفسهم، وقبل ذلك على دينهم الإسلام، وأكبر دليل على ذلك، حال المسلمين في معاملاتهم وشوارعهم، وكل شؤون حياتهم.

ففي معاملاتهم يسطير على معظمها الكذب والغش، وفي شوارعهم تنتشر القاذورات وعدم النظافة، مع العلم بأن الإسلام لم يدع كبيرة ولاصغيرة، إلا ودلهم عليها، ولا فضيلة، إلا حثهم على فعلها، وبالتالى انسلخ المسلمون من تعاليم الإسلام، أما الغرب، فعلى عكس حال المسلمين تمامًا؛ يطبق ما جاء به الإسلام من أخلاق كريمة ومبادئ سامية.

فحين زار الإمام «محمد عبده» أوروبا، واطلع على معاملاتهم وأخلاقهم، وقارن حالهم بحال المسلمين، قال قولته الشهيرة «رأيت في أوروبا إسلاما بلا مسلمين، وحين عدت وجدت مسلمين بلا إسلام»، وليس معنى ذلك أن أوروبا هي جنة الله في الأرض، لكن سلوكهم ومعاملاتهم من تعاليم الإسلام: من عدل بين الناس على اختلاف ألوانهم وأجناسهم ودينهم، واحترام وتقديس لحياة الإنسان وحقوقه في بلادهم، وعلى النقيض تمامًا حال المسلمين: فلقد ملأ الظلم بلادهم طولًا وعرضًا، وبلغت حياة الإنسان وكرامته فى بلاد المسلمين، تدهورًا وانحطاطًا لا مثيل له.

يروى أحد علماء الدين الإسلامى، أنه أعطى رجلًا ألمانيًا كتاب فقه مترجم من العربية إلى الألمانية، أخده الرجل متحمسًا لقراءته، وعندما انتهى من قراءته، عاد من جديد إلى عالم الدين متعجبًا وحائرًا، متسائلًا: كيف يكمن لأتباع دين عظيم مثل هذا، ألا يكونوا سادة للدنيا كلها في كل شيء؟  فأراد عالم الدين أن يستوضح أكثر، وقال له كيف ذلك؟ رد عليه بقوله: عندما بدأت القراءة في كتاب الفقه، وجدت أول باب يسمى باب «الطهارة»، وعلمت حرص الإسلام الشديد على نظافة المسلم وطهارته، ولذلك فرض عليه أن يغسل أعضاءه، خمس مرات كل يوم وليلة؛ ليتمكن من أداء صلاته، وحال المسلمين على خلاف ما أمرهم به الإسلام، فلم يستطع أن يرد عليه عالم الدين هذا؛ لأن حال المسلمين هو خير شاهد، حتى أصبح المسلمون أسوأ نموذج لدينهم الإسلام.

يعتقد كثير من المسلمين فى بلادنا الإسلامية، أن كل فشلٍ أو شرٍ أصاب الأمة، فهو من نتائج، تآمر الغرب على المسلمين، ولقد عبر الشيخ «محمد الغزالي» عن حال المسلمين أبلغ وصف، بقوله «إن الأمة التي انتمت لهذا الدين فاقدة للوعي، عوجاء الخطى، تحسب أنها حية، لكنها مغمى عليها، تعيش بضميرٍ معتل، ولا تحمل همًا لدين أو دعوة».

فكم من الضجات والأصوات العالية التى يصدرها المسلمون غيرة منهم على دينهم، عندما يتناول واحد من الغرب الإسلام أو أحد مقدسات الإسلام بالانتقاد، ولكن سرعان ما يعود المسلمون إلى أحوالهم السابقة، من بعدهم عن تعاليم الإسلام، ونبى الإسلام، وبالتالي فمعظم ما نحن فيه من فشل أو تخلف عن الأمم؛ فهو مما جنت أيدينا وبعدنا عن الإسلام.

إن من يقارن حال الغرب والمسلمين في حياتهم، يجد أن المسلمين مقصرين تجاه تعاليم دينهم، ولنضرب المثل بأمرين:

أولًا – احترامهم لقيمة الوقت والمواعيد، تجد الغرب يوصف بالالتزام الشديد، والمنضبط لكل المواعيد، في مواصلاتهم، وفي زياراتهم، وفي كل شؤون حياتهم؛ لأنهم يعتبرون أن الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك – أما المسلوين فصف ولاحرج عليك في كل ما قد تقول، من استهتار شديد في كل شيء له صلة بالوقت؛ فهل عدم  احترامنا للوقت هو بسبب تآمر الغرب على المسلمين؟

ثانيًا – يطلق المسلمون على أنفسهم وصف «أمة أقرأ»، هذا صحيح؛ نسبة لأول آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الواقع خلاف ذلك، من أمية مرتفعة وجهل شديد بين عامة المسلمين، وقلما تجد من المسلمين من يقرأ لإفادة نفسه ودينه ومجتمعه؛ فهل عدم القراءة بسبب تآمر الغرب على المسلمين، على الرغم من أن الإسلام حث المسلمين على العلم والقراءة؟

مثل المسلمين كمثل رجل يحمل جوهرة ثمينة، يتطلع جميع من يراها، أن يحظى بها، وليس أن يحظى بمن يحملها؛ إذن فمن يتآمر، يتآمر على الإسلام، وليس على المسلمين؛ لأن المسلمين حقيقة لا يستحقون، بوضعهم الحالي، أن ينقض عليهم الذباب؛ لأنهم بلا قيمة كبيرة في هذا العالم. إن أكبر من يتأمر على الإسلام هم أتباعه، بتقصيرهم في حمل هذا الدين العظيم، وفي فهم فهم نصوصه وتعاليمه، التي تغني عما سواها، من أجل إسعاد المسلمين وتقدمهم وازدهارهم، ولقد أوجز الشيخ الغزالي حين قال «لقد ابتلى الإسلام بأعداء ينقصون أطرافه من الخارج، كما ابتلى بأعداء يشوهون حقائقه من الداخل، ولعل هذا العدو الداخلى أنكى وأشد خطرًا من العدو الخارجى.

وبالطبع يبقى الأمل، في أن يعود المسلمون إلى ما كانوا عليه قبل تخلفهم، إذا ما أتخذوا من مبدأ «نقد الذات» شعارًا وفعلًا، ولنا في رسول الله خير أسوة، فعندما هزم المسلمون فى غزوة أحد، وبينهم رسول الله، سألوه عن سبب هزيمتهم، فأنزل الله قوله «أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قل هو من عند أنفسكم»، وبالتالي عندما يعود المسلمون أمة واحدة، ويحرصون على تطبيق ما أمرهم به الإسلام، سيسودون الدنيا كلها، كما كانوا من قبل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد