لم يبعث لينسخ باطلا بباطل

ولكنّ محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يبعث لينسخ باطلًا بباطل ويبدل عدوانًا بعدوان، ويحرم شيئًا في مكان ويحله في مكان آخر، ويبدل أثرة أمة بأثرة أمة أخرى، لم يبعث زعيمًا وطنيًا أو قائدًا سياسيًا، يجر النار إلى قرصه ويصغي الإناء إلى شقه، ويخرج الناس من حكم الفرس والرومان إلى حكم عدنان وقحطان. وإنما أرسل إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، إنما أرسل ليخرج عباد الله جميعًا من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، ويخرج الناس جميعًا من ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم.

أبو الحسن الندوي ”ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين“.

تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام فضلا عن القرون الثلاثة الأخيرة فترة هوان وضعف، صريعة بأيدى المستعمرين، وتتلقفها أيادى الظالمين كيدى الحابل، فهي بين حاذف وقاذف، وردا على ظلم الأمم بالتعاقب لأمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، جنح العقل الجمعي الإسلامي إلى “النوستالجيا” دفاعا عن “الأنا الجماعي” وسألو ا الرجعى إلى عصور ولت.

وانتقاما من هذه الأمم التى كانت عيالا على دولة الإسلام، تؤدى لها الجزية وتخضع لها خضوع العبد لسيده، شمر المسلمون أيديهم وبحماسة شديدة أخذوا ينشرون تاريخ الدولة الإسلامية ورجالتها، ودافعوا عنها دفاع الإبن عن أبيه لايبالى ظالما كان أم مظلوما، فلم يفرقوا بين سلوك رجال جاءوا ليخرجوا الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة،ورجال جاءوا يريدون الدنيا بحق كان أو بباطل، وأخذوا يدافعون عن التاريخ الإسلامى المفترى عليه بمزيد من الإفتراء عليه، وخلطوا بين عملا صالحا وآخر سيئا، واستبد بالمسلمين فكرة “الإسلام الملكي“، وأننا لابد من الدفاع عن دولة المسلمين ظالمة أو مظلومة، وهذه نظرة أيدولوجية ضيقة ومتعصبة تعارض أصل من أصول الإسلام الكبرى، وهو نصرة المظلوم والقيام بالقسط والدوران مع الحق حيث دار “يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ” 135 النساء،وأن المنكر ينكر لايشكر، ونسوا أن الدولةفي الإسلام واسطة وليست غاية، فذهبوا يدافعون عن من يقيم هذه الدولة بأى وسيلة، وساووا بين خلفاء راشدين وأئمة مهديين، وبين ملوك يزاحمون الشياطين بالمناكب،يدافعون عن ملوك وولاة ظلمة، مجرمين، استباحوا دماء وأعراض معصومة، وكانوا لا يملكون أخلاق الإسلام ولا مروءة الجاهلية، وحجتهم البليدة أنهم حافظوا على الدولة ومنعوا تفككها وتشظيها، فكانوا كمن زرعوا الجنة ببذور النار، وكمن ذهب إلى الحانة قاصدا الصلاة.

وإليك بعض الأمثلة التى ألقى فيها كثير من المسلمين أقلامهم أيهم يبرر للبغاة بغيهم، وكتبوا مئات الأمتار من الحبر دفاعا عن الظالمين:

يدافع الكثير من المسلمين الآن عن بنى أمية وولاتهم، لايفرقون بين بر منهم وفاجر كيزيد بن معاوية والحجاج،بل يتكلمون عنها بتبتل يصل إلى درجة العبادة، ويصفونها كوصف المريد للقطب، وحشدوا كل التبريرات للمساواة بين أصحاب القافلة وقطاع الطريق، ومازالوا يفعلون ذلك مشيا فوق جثة الدين، وممارسة لرياضة جلد الضحية، متغافلين عن مافعلته هذه الأسرة التى استولت على الحكم بعدما أجرت أنهارا من دماء الصحابة، وأبناء النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ،ثم حافظت على ملكها بمزيد من دماء التابعين،وعلماء، وفقهاء الإسلام،وضيعت حق الأمة في اختيار من يحكمها،وحولت الحكم في الإسلام من خلافة راشدة على منهاج النبوة إلى ملك عضوض، فكانت النقطة التى إنطلق منها الشر، وكانت كسيجارتنا الأولى التى سندمن بعدها الألم، وحال الإسلام بعد فتنتهم كنهر إغتاله مستنقع، فتفرقت بالمسلمين السبل، ولم يجتمع شملهم إلا أن يشاء الله.

ويرى المتابع لمواقع التواصل الاجتماعي، ولأحاديث الشباب، حفاوة كبيرة من الشباب المسلم بشخصية ”الحاجب المنصور” أحد ملوك الأندلس الذى بلغت شهرته الآفاق، صحيح أن المنصور يعتبر من القادة الأفذاذ، مرهوب الجانب من قبل أمراء الممالك المسيحية،وقد بلغت غزواته التي غزاها بنفسه إلى مايقرب من 57 غزوة، لم يهزم في أحدها قط،وكانت دولة المسلمين في فترة حكمة قوية منيعة، لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أن هذا الرجل وصل إلى الحكم عن طريق الخيانات والإغتيالات، حتى أنه خان ونكل بمن قدم له المعروف وساعده في الوصول إلى ما وصل إليه، حتى صهره و إبنه لم يسلما من بطشه، فالمعروف عن المنصور بن أبى عامر، أنه لم يعدم وسيلة في سبيل تحقيق ما يريد، من إستخدام للرشاوى التى كانت من مال المسلمين في فترة توليه “لدار السكة”، فضلا عن الدماء التى أراقها ليصل إلى الحكم في الأندلس.

أما في عصرنا الحالى، فالجميع لا يخفى عليه تباكى المسلمين على الرئيس العراقى السابق “صدام حسين“، وهو أمر يضحك الثكلى ! فالرجل لم يكن يمثل الإسلام ولا المسلمين، فهو رجل ”قومجي بعثي”، وهى فكرة في أساسها أنشئت لقطع الطريق على البعث الإسلامى، وبسبب هذا الطاغية الظالم، حدث للعراق ماحدث، وتشيعت بغداد حاضرة الخلافة العباسية .

وسبب سقوط المسلمين في أوحال التناقض هذا، هو الحنين والتعطش لفكرة “الإسلام الملكى“،وأن تكون لنا دولة حتى وإن كانت ظالمة فهى غاية المرمى ! بل الكثير منا يؤمن بالمثل الشعبى القائل ” العيلة اللى من غير صايع حقها ضايع“.

ولكن ليست المشكلة هى الدفاع عنهم فالمعروف من طبع الناس بالضرورة ”أنه يمدح السوق من ربح فيه”،ولكن المشكلة أننا ألبسنا تبريراتنا وحججنا في الدفاع عنهم لباس الدفاع عن الدين،ونسينا أن دين الله أكبر من أن يستباح في الأحقاد والضغائن، والعنصريون مهما ادعوا العافية فهم أناس مرضى.

وغير هذا أننا في فترة حكمهم لم نكن ننعم بالرخاء والحرية والمساواة، ولكن كل ما في الأمر أن الحبل المربوط في أعناقنا كان أطول قليلا من المربوط في أعناق الآخرين،فضلا عن كونهم إتخذوا الشعوب التى يحكمونها مسلمهم وكافرهم سواء،ناقة حلوبا ركوبا يجذون صوفها ويظلمونها في علفها.

ويعترض المعترض على هذا الكلام قائلا: أمستبد قوى ظالم خير، أم ما نعانيه الآن؟ وكل ما يكننا قوله ردا على هذا الاعتراض، فلله در القائل: “فخيرتنى بين العمى والجهل … وما فيهما حظ لمختار”.

ونختم بوصف دقيق لحالنا يحكيه نجيب محفوظ في روايته ”حكايات حارتنا”، في كوننا نقدس الفتوات، حتى وإن داسونا تحت نعالهم فيقول: “الفتونة هي القوة الجوهرية في حارتنا، هي السلطة، هي النظام، هي الدفاع، هي الهجوم، هي الكرامة، هي الذل والسعادة والعذاب… ويحب الفتوة الجمال والنقاء ويعشق الحكايات… ويتلقى الفتوة الإتاوات ويصغي إلى التملق، وعند القتال فهو يقاتل بنبوته ورأسه وقدميه وأتباعه، وأيامه أيام رعب وجبن وذل ونفاق… وتعلمني الخبرة مع الأيام أن حارتنا تقدس طائفتين: الفتوات والبلهاء.”

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد