من أكثر الأفكار التي تتطلب مني جهدًا في شرحها مباشرةً، لكثرة تفاصيلها، هي فكرة عدم دخول غير المسلمين الجنة. والقصد بغير المسلمين هم الأمم والفرق التي تخالف أصولها العقدية الكبرى أصول الإسلام، وليس بالضرورة أن نقصد حرمان أفراد بعينهم من دخول الجنة؛ لأن في ذلك تأل واضح وجلي على الله، سبحانه وتعالى!

أولًا: نظريًا، من الضروري التأكيد مجددًا على مفهوم استبعاد «الآخر» من النعيم،  الآخر الذي لا يؤمن بنفس بالأصول «الاعتقادية» التي أؤمن بها، في كل الأديان، وهو أمر منطقي جدًا؛ إذ بدون هذا الأصل؛ لن يكون ثمة قيمة لهذا الاعتقاد، فمن اعتنقه، كمن لم يفعل. الكل في الجنة! فضلًا عن أن الترهيب، بالاستبعاد من النعيم الأبدي، في قضية تمثل جوهر الوجود الإنساني وعلته، له دور تحفيزي في حث «الآخر» على البحث في عقيدتي. الأمر مرتبط بالقيمة، والتحفيز على طلب الحقيقة الكبرى والمطلقة في المقام الأول. لذا، تجد هذا المبدأ حاضرًا في الإسلام والمسيحية واليهودية والهندوسية، بل وفي الفلسفات والأيديولوچيات الإنسانية، بشكل أو بآخر.

ثانيًا: عمليًا، كل العالم تقريبًا، من الممكن أن ينطبق عليه مفهوم (عدم وصول الرسالة بشكل صحيح!) يعني، تجوزًا، لو افترضنا أن (الهندوسية) هي دين الله الحق؛ فهل وصل أي منا، نحن العرب، عقائد الهندوسية وطقوسها وتاريخها بشكل جيد؟! طبعًا: لا! هذا فضلًا عن أن مفهوم وصول الرسالة  مطاط جدًا ونسبي جدًا، وبالتالي، عطفًا على التجوز السابق، فالإله – بدهيًا – سوف يحاسب كلا منا بناءً على مدى إخلاصه في البحث عن الحق، وإمكانياته، وبيئته… إلخ؛ لأن الإله – ضرورةً – عادل، وهو أعلم بنا من أنفسنا.

ثالثًا: هل الإسلام – فعلًا – دين الحق؟!

بما إن الكلام على الأديان، فالمفروض أن المتكلمين يعتقدون ابتداءً في وجود إله واحد كامل، فلو تصورنا – مجازًا – مشهد الحساب أو أي مشهد ممكن  أن يكون فيه لقاء بين الإله والإنسان، ما الذي قد يطلبه (الإله) مني أكبر من أن (أوحده) وألا أشرك مع أي شريك في الربوبية؟! وأن أصدق أنه عدل؛ أنزل كتبًا، وابتعث في الناس رسلًا؛ تدعوهم لتوحيده، وتبشر المؤمنين، وتنذر الكافرين، وتقيم الحجة عليهم؟! أليس من (العقل) الإيمان بإن الإله لم يترك العالم منذ خلْقه مضطربًا متخبطًا في الظلام، لا يعرف الناس من أين جاءوا ولم جاءوا وإلى أين يذهبون؟! وهذا – بمنتهى البساطة – هو عين ما يدعوك إليه (الإسلام)!  الإسلام وحده، دون غيره، يطلب منك توحيد الله وتنزيهه عن الشركاء (والأولاد). الإسلام وحده يدعوك إلى الإيمان بـ(كل) الرسل، سواءً عرفتهم أم لم تعرفهم. الإسلام وحده يدعوك إلى إخلاص (العبادة) والدعاء والاستغاثة لله وحده، دونما شريك أو وسيط، وبالتالي، مستحيل عقلًا أن تكون (النجاة) في غير الإسلام!

(آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون. كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله. لا نفرق بين أحد من رسله)

(إياك نعبد وإياك نستعين)

(إن كان للرحمن ولد؛ فأنا أول العابدين)

(قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)

أما من يقول: هل يعقل أن يدخل الله (العالم) كله النار، وينجو المسلمون وحدهم؟!

فنقول له: مشكلتك في مقدماتك الخاطئة والتي آلت بك إلى نتيجة خاطئة. فالمسلمون لا يؤمنون بإله (قومي) كاليهود، وبالتالي: إله محمد لم يكن للعرب وحدهم، نظريًا أو عمليًا. فهو القائل عن نفسه: (رب العالمين). وهو القائل عن محمد: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين). كما أن عقيدة المسلمين تؤمن بإله واحد لكل البشر، خلق أبًا واحدًا لكل البشر (آدم)، وتصدق بكل الرسل الذين بعثوا للبشر، ولا تفرق بين أحد من البشر على أي أساس مادي وراثي – اللون أو النسب –  وإنما معيار التمايز معيار معنوي مكتسب: (تقوى) الله. إذ، (لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى) كما يقول (محمد). بل إن كلمة (المسلمين) هي صفة ونسبة عن (التسليم) لله؛ بعكس اليهودية والمسيحية، المغرقتين في المحلية، ظاهرًا وباطنًا، مبنًا ومعنًا.

وعمليًا، فتح المسلمون أكثر من (نصف) الكرة الأرضية، في خلال نصف قرن من بعثة محمد. كما أن المسلمين يؤمنون بإله حكيم عادل، يقول عن نفسه:

(إن الله لا يظلم مثقال ذرة). وبالتالي، بمنتهى البساطة، سيحاسب الله، سبحانه وتعالى، الجميع، بعلمه وعدله وقدرته وحكمته، ولا داع لتكرار السؤال عن مصير صديقك، المهندس الموهوب، الذي يعتنق اليهودية أو البوذية؛ لأنني (ما أدري ما يفعل بي ولا بكم. الأحقاف:٩) إنما أدري أن الإسلام حق، وأن الله عدل، وأن البشر لن (ولا يظلمون فتيلًا- الإسراء ٧١).

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد