الأصل إنه حال وجود تجمع بشري فوق أرض أن يكون هناك إلزام قانوني، لأن الناس فيهم الأخيار، ومنهم الأشرار، كما هو معلوم بالضرورة، ومن مسلمات علم الاجتماع البشري، أما وقت الأزمات والمحن: حيث يُتخذُ قرار أو عدد من قرارات أملا في جلب فائدة للجماعة، أو درأ لمفسدة؛ فتكون النتيجة وقوعا في محنة شديدة، أو أزمة بالغة تهز جنبات الجماعة من جميع أرجائها، وتهدد سلامة وجودها، لا تضيف إليها، بمعنى إنه بدلا من أن تجلب المحنة منفعة دنيوية أو أخرويّة للجماعة يتم الزج بصفها كله في آتون محرقة ملتهبة، وتلك المحن مع التسليم بإنها تكون على عين الله تعالى، وإنه سبحانه يكون له تقدير خاص منها، وإرادة عليا فيها إن دقتْ على الأفهام وأعجزتْ ذوي الألباب لا تمنع من التفكر في الطريقة التي تم فيها الوقوع في المحنة وسبل عدم تكرارها لا الخلاص منها فقط.

ولكن “طوفانًا” من الأدعياء والْمُندسين وسيئي الأخلاق تجدهم في مثل هذه المواقف الشديدة يبرزون كالنسور التي لا تعاف تناول طعامها على أي حال كان، يتقوتون على آلام الجماعة، وتجدهم يتكاثرون كتجار السلاح في الحروب بلا قلب ولا رحمة، يحرسون متعهم الخاصة، ويعطون الجماعة من طرف اللسان حلاوة، ثم يرغون منها كما تروغ الثعالب طحنا وافتئاتا وسرقة ونهبا بل غير ذلك من الرزايا.

في المنتصف تبقى الأيدي المرتعشة، تلك التي لم تستطع من أسف شديد إدارة مقاليد الدولة لما كانت القرارات تتخذ من أعلى جهة، من الرئاسة نفسها، ثم يتم التراجع عنها بعد ساعات، وكأن الأمر لم يكن، إن الاستشهاد بهذا الأمر الآن، علم الله، من باب الرغبة في الاستفادة من الدرورس الطاحنة التي استلزمت سيلان أنهار من الدماء لم تجف بعد، ومثلها من الأحكام الظالمة وضياع الحقوق، بالتالي لمن لما ملكوا ارتعشت أيديهم، ولما ملك غيرهم وجه نيران رشاشاته إليهم، فإذا ما انحسر المد اليوم، وصار داخل الصف الثوري نفسه من جانب الجماعة بالتحديد؛ فلماذا لم يبد تقاعس وفشل الجماعة في محاسبة بعض الخارجين عليها من داخلها؟

والمعني هنا بالتحديد أولئك الذين ثارت عليهم مخالفات خلقية، ولما كانت مخالفات الأخلاق صعبا الإمساك بها جيدا بخاصة في وقت تبلبل الصف؛ فماذا عن المخالفات المالية؟ ماذا عن سرقة الملايين بالوقائع والمستندات؟ وماذا عن لجان تحقيق تثبت السرقة وضياع المال العام سواء للجماعة أو لغيرها، وماذا لما يتم تغيير اللجان لملابسات خاصة بتشاجر المتهم بسرقة الملايين معها وتطاوله بالضرب والسب عليها، ثم تأتي لجنة أخرى تقر قرار الإقصاء للسارق، وتلزمه برد قليل من قليل مما سرق؛ فيهدد بالخروج إلى العلن معترفا بالسرقة، ومحاولتها لا في المبلغ المتهم فيه بل في أضعافه إلى ما شاء الله، ويلوي عنق الجماعة كلها، ويضرب بقرار نائب المرشد منها عرض الحائط، وتلجأ الجماعة إلى طريق للتهدئة معه، بالقبول بالتهدئة وإحالته إلى لجنة تحقيق جديدة بالطبع لن تقر عمل القديمة، وإلا فلماذا تم التحويل إليها؟

والغرض معروف الصفح عن المال العام، ولدي مستند صادر من المتهم بنفسه يقر فيه للمرة الأولى في تاريخ الجماعة باتفاقه لتحويل أكثر من مائة مليون جنيه مصري من خزينة تعتبر للدولة على حسابين، هو واحد منها، ولا حول ولا قوة إلا بالله، و”هذا” على سبيل المثال أقر من قبل بما لم يقر به أحد في تاريخ الجماعة من اعتراف بأحداث عنف غير مسبوقة أودت بحياة أناس أبرياء، ولم يجد أحدا ليتصدى له!

إن الأمر على سبيل المثال لا الحصر، وإن جرائم تعز على الوصف وهي بالغة الإشانة تحدث داخل جماعة تسلم إن جهدها لله تعالى، وإن هذا المثال المعروف بالغ الخزي للحقيقة ولولا أنه يتمادى في توزيع الاتهامات هنا وهناك، ويتبع أساليب لا توصف لما تصديتُ لمُعمى ذكره هنا، إن القوانين غير الرادعة أو المُفعلة لهي سُبّة في جبين أقوى جماعة فما بالنا بجماعة في وقت ترعرع وازدهار محنة، ترجو أن يحقق لها الله نصرا، ثم تتوانى عن الأخذ بأبسط أسبابه: تنقية صفوفها!

إنني لأرجو الله للصف الثوري النجاة مما يحيكه ويريده الانقلابيون له، وإنني لأتمنى لجماعة الإخوان المسلمين أحد أقوى جوانب هذه الصفوف أن تعيد النظر في آليات تصديّها لعتاة المندسين بين ظهرانيها، وعدم الإبقاء عليهم بدافع الستر، وكم من الجرائم يندى لها تاريخ الإنسانية ارتكبت بدافع الستر؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد