-أدعي أن أغلب من ناقش الخلافات المذهبية والفكرية بين السنة والشيعة قد انطلق من خندق الدفاع عن مذهبه والهجوم على الآخر الذي يراه عدوًا حقيقيًا ربما أكثر عداءً له ممن يختلف عن دينه ككل؛ وهذا كان الحال طوال التاريخ بين السنة والشيعة، فنحن أمام اختلافات طبيعية بين مذاهب نشأتها تاريخية وسياسية، وإن كنت أتفهم ذلك التحزب الشيعي لمذهبهم بتعصب نظرًا لظروف نشأتهم وتطورهم فإني لا أعلم على وجه الحقيقة لماذا أصابت تلك الطامة مذهب أهل السنة رغم أنهم ليسوا بمذهب بالتعريف الحرفي للكلمة، فهم لم ينشقوا من أحد بل هم كانوا الأصل الذي نبع من داخله الجميع؛ وعلى الرغم من أن تاريخهم العلمي أكثر انفتاحًا ولا يعتبر رفع الشعارات المذهبية أمرًا حتميًا لأبناء الإسلام وذلك على عكس المذهب الشيعي بفرقه الثلاث «الزيدية والإمامية الاثني عشرية الجعفرية والإسماعيلية» الذين يعتبرون مذهبهم يمثل كل ما في حياتهم الدينية وغير الدينية؛ ولكن نعود لنؤكد حقيقة المشكلات التي تقف أمام أي تقارب مذهبي يمنع الفريقين من الانتقاد للآخر ولكن كل ما أصبو إليه أن يبقى خلافًا مذهبيًا وفكريًا بعيدًا عن الاحتراب الأهلي والتحريض الطائفي والاستغلال السياسي للمذاهب في توسع الدول المستفيدة من تحويل تنوع المذاهب في الدين الإسلامي إلى صراع وجود؛ في أمة يتكالب عليها أعداؤها ويأكلها الجهل والاستبداد والفساد.

– لذلك بعد إخراج العامل السياسي المستغل لحرب المذاهب المشتعلة بالشرق حاليًا سننتطرق لمعرفة الآخر عن قرب دون تشويه ودون اختلاق لاتفاق غير موجود بين المذهبين، ومن ثم علينا الاقتناع بأن من حق الشيعة أن يعتقدوا ما يريدون ولسنا أوصياء على أحد؛ وهنا لابد من توضيح الخلافات المذهبية بين السنة والشيعة في نقاط رئيسية.

أولًا: التاريخ الإسلامي

«محاولة جعل التاريخ الإسلامي مقدسًا كاليهود بعيدًا عن المراجعات والنقد سبب رئيس في استمرار المغالطات المتولدة منه».

هناك اختلاف جوهري في سرد وقائع التاريخ الإسلامي عند كل من الشيعة والسنة؛ فالشيعة يعد تاريخهم هو نموذج المعارضة الرئيس في تاريخ المسلمين منذ فجر تاريخهم، وذلك يرجع لعدة أسباب أولها أن نشأة المذهب قامت على أساس حوادث تاريخية في أصلها، ثانيها أن الشيعة كانوا في طليعة المناهضين للدولة الأموية في بدايات الحكم الإسلامي اللاحق للخلافة الراشدة ومن أكثر الفئات التي اضطهدت من تلك الدول الباطشة عبر عقود طويلة من خلافهم «الثوري» مع الاستبداد الأموي والذي اغتال حكمهم كل أئمة آل البيت، ومن ناحية أخرى خلافهم المذهبي الذي بنى خلال ذلك التاريخ عقائدهم الخاصة التي تغيرت من عهد الإمام علي ومجرد التشيع لنصرته هو وآل البيت إلى مذهب سياسي الطابع يؤمن بنظريات حكم يقوم عليها إيمان وكفر بالمذهب.

أما السنة فهم يعتبرون جماعة المسلمين وليس حزب العلماء الحاكم كما تصور مرجعيات التاريخ لدى الشيعة، فلطالما اعتقدوا بأن كل علماء السنة كانوا يدورون في فلك الحكم الأموي مثلًا، أو أنه لم يوجد مناصر لآل البيت سواهم على وجه الأرض الإسلامية؛ لكن في الواقع السنة ليسوا مذهبًا مغلقًا في توجه واحد تنظيمي أصم ولكن منه تفرعت أفكار عدة وتوجهات ومدارس فكرية وعلمية جماعية وفردية تشكلت منه اختلافات حقيقة في رؤيتهم للتاريخ الإسلامي وموقفهم من الفتنة الكبرى والحكم الأموي والأئمة، لكن ظل المشكل الرئيس لديهم هو أن وجهتهم الرسمية اتسمت أغلبها بالتماشي الظاهري مع نظم الحكم القائمة دون موقف تاريخي مفصلي من أحداث «الفتنة الكبرى» كما سموها؛ مما شكل جزئيًا انحيازًا لوجهة النظر الرسمية في الوقائع التاريخية عند أغلب علماء المسلمين السنة، وهنا الخلاف التاريخي الذي تولد منه لُب الاختلاف المذهبي بين الفريقين.

ثانيًا: السياسة والحكم

أصل كلمة «الروافض» التي يطلقها بعض السنة على الشيعة هي رفضهم للحكم القائم منذ مبايعة «أبي بكر» وصولًا ليومنا هذا؛ فإذا لم تكن الحكومة دينية شيعية فهم لا يعترفون بها بشكل واقعي! هذا الأمر سيُضحِك كثيرين عندما نترك كل هموم عصرنا لنتناقش فيمن كان الأولى بالخلافة أبو بكر أم عليّ؟!

في الحقيقة تجاوز الزمن ذلك الخلاف السياسي ولكن حرب المذاهب لم تتجاوزه؛ فالشيعة يرون أن الحكم أمر مقدس وهو بوصية من رسول الله لابن عمه وصهره الإمام علي بن أبي طالب، وأن الخلفاء الثلاثة قبله اغتصبوا حقه ويبنون باقي نظريتهم في الحكم على ذلك الأمر بنظرية سياسية متكاملة للحكم وهي الإمامية؛ أي حكم أئمة آل البيت عليهم السلام من علي بن أبي طالب إلى الإمام الغائب اثني عشر إمامًا، ولديهم تعويل مقدس على ظهور المهدي المنتظر ذلك الإمام الثاني عشر الذي غاب وسيظهر ليملأ الأرض عدلًا ويحكم الأرض بحكم الأئمة ويقتص للشهداء والمظلومين منهم عبر الزمن. ولكن الزيدية تختلف معهم في شأن الحكم حيث يؤمنون بإمامة المفضول مع وجود الأفضل بالتالي يقولوا بصحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان، ولا يلعنون أي أحد من الصحابة الكبار. أما الإمامية فيقرنون طريقة الحكم بوجود «ولي فقيه ينوب عن الإمام الغائب للحكم» مما يحول الأمر لسجال كهنوتي لا يستقيم معه حكم دولة حرة يخضع لها مواطنوها الشيعة بجوار السنة وبجوار أديان أخرى، فهم ليس لديهم ولاء فوق الولاء المذهبي من ناحية شؤون الحكم؛ وفي المقابل السنة يعتقدون بصحة خلافة أبي بكر وعمر وعثمان بل ويغالون في تفضيلهم على الإمام علي ويأخذون منحى الحياد السياسي بين علي ومعاوية!

وليس لدى السنة أي دعاوى تناهض نظرية الإمامة لدى الشيعة بشكل عقلاني يقدم نموذجَ حكمٍ إسلامي أفضل قائمًا على الشورى الحقيقية ولا تجد في واقعهم إلا التسليم لطغاة التاريخ والحاضر، مما جعلهم في الشأن السياسي يعانون من ازدواج بين اعتقادهم العقلاني الرائع في شأن الحكم والشورى وأن الأمة مصدر السلطات، وبين واقعهم الذي لا ينفك عن تأييد حكومات الاستبداد بدعاوى دينية تأمر بالطاعة للحكام مهما كان بطشهم وبفتاوى من تاريخهم الفقهي الذي لطالما رسخ حكم الطغاة إلا فيما ندر.

وهنا تكمن إشكالية الرفض لنموذج الحكم عند الشيعة الذي يمزج بين خرافات وحكم رجال دين وخلط بين مذهبهم وبين وجودهم في أوطان مستقرة في تعايش مع الآخرين الذين لن يؤمنوا بولي فقيه ولا بإمام غائب يرفعون لواءه، بل يؤمنون بدستور يحكمهم وحاكم منتخب بصلاحيات لا يعلوها توجه مذهبي ودولة لها حدود لن تسمح لإيران بالتدخل فيها لمجرد أن مرجعيتي إيراني على الرغم من أني عراقي أو يمني أو بحريني مثلًا. وفي الجانب الآخر استمرار التناقض بين وجهات نظر السنة في السياسة والحكم وبين تراثهم الفقهي والواقعي في ذلك الشأن.

– أما في الوضع السياسي المعاصر فيظل الصراع بين المذهبين يتولد من الاستغلال الإقليمي الإيراني السعودي لشعارات المذاهب وتطبيقاتها وفقًا لمصالح حكوماتهم ونفوذهم الإقليمي، مما يجعل الشأن السياسي كنظريات حكم وكحاضر ومستقبل أشد الاختلافات تعقيدًا وأكثرها إشعالًا للنار والمساهم الرئيس في تحويل الخلاف المذهبي لاحتراب ودمار لا طائل للشعوب المسلمة من ورائه.

ثالثًا: الخلاف الفقهي والعقدي

قبل ذكر لمحة عن جوهر الاختلاف نوضح أن الشيعة تتفق مع السنة في الأصول إلى حد كبير من أول الشهادتين وباقي أركان العبادة كما هي، وصولًا للقرآن الكريم المقدس لدى المذهبين بنفس النص وعدد الآيات على عكس الشائع لدى عوام السنة من أن هناك قرآنًا آخر للشيعة، بل هو القرآن ذاته الذي بين أيدينا ومن الطريف أنهم يستمعون بشدة لأشهر قراء العالم الإسلامي خصوصًا من مصر، وأنه لا خلاف حقيقي يجعل السنة يحكمون بالكفر عند التعبد بالمذهب الشيعي إلا في الفروع التي تخالف السنة خصوصًا في سب الصحابة؛ وكذلك الشيعة يكفرون أهل السنة وفقًا لفرع جعلوه هم ركنًا حيث يعتقدون أن  الإمامة سادس ركن من أركان الدين «أي حكم أئمة آل البيت» للمسلمين فهذا الأمر يكفر به الشيعة من لا يعتقد به في الشأن السياسي! وهذا يؤكد ما ذهبت إليه من كون التشيع مذهبًا تاريخيًا سياسيًا في الأصل أضيف إليه الشكل المختلف عن السنة في نمط التدين وبعض المناسك عبر تطور المذهب بعد ذلك، وتشكل باقي الاختلافات في العقيدة فكرة «البداء» وتفسيرات القرآن وتفصيلات عقدية سنجد مثلها داخل أهل السنة والجماعة أيضًا بين مذاهب المتكلمين والمفسرين وليست بالخلاف الذي يشغل العامة. أما الخلاف الجذري بين السنة والشيعة بعد نظرية الحكم فهو عصمة الأئمة، حيث إنهم لدى الشيعة عصمتهم كالأنبياء ولدى السنة هم بشر مثلنا ومثل الصحابة ولكنهم نالوا مكانة عالية لنسبهم وعلمهم وورعهم؛ في المقابل السنة يقعون في ازدواج آخر فهم يحرمون عصمة الأئمة لدى الشيعة مع أنهم واقعيًا يعصمون صحابة رسول الله حتى من الأخطاء السياسية! فتراهم واقعيًا يصوبون كل أفعال الخليفة عثمان بن عفان ويترضون على معاوية بن أبي سفيان ويغفرون زلات كل من شارك في الحرب ضد الإمام عليّ في تناقض عجيب يخالف القرآن نفسه في أنه لا عصمة لبشر غير الأنبياء، وأن من الصحابة من أخطأ أيضًا. لكن نعود للخلاف الذي يشكل الطامة الكبرى للصراع اللفظي والفكري المستمر بين السنة والشيعة ألا وهو «الموقف من أم المؤمنين السيدة عائشة». فلمن لا يعلم قد شاركت أم المؤمنين في موقعة الجمل وكانت ضد الإمام علي وبجوار فريق معاوية في الحرب الأولى بينهم، ولكنها اعتزلت الأمر مبكرًا جدًا وقبل أن تستكمل الحرب وتتحول لصراع من معاوية على السلطة الشرعية للإمام عليّ. ولكن استمر الشيعة «الإمامية والإسماعيلية» في التقليل من شأن السيدة عائشة بشكل مطلق وإن كان كثير من عوامهم وبعض علمائهم يسبونها أو يتجاهلون علمها ومكانتها على أقل تقدير، فإن قلة من مرجعياتهم تبرؤوا من التعرض للسيدة عائشة، وبقيت تلك المسألة كالنار في الهشيم يتناولها المتطرفون من الشيعة بمزيد من الافتراء والكذب ويجعلها المتطرفون من السنة كأنها مسالة حرب وكفر وإيمان!

أخيرًا من الخلاف الفقهي والعقدي هو اختلاف الأسانيد بين الفريقين؛ بمعنى أدق ممكن أن تجد نفس الحديث عند السنة موجودًا لدى الشيعة متنه لكن مع اختلاف السند، فهم لا يثقون في أغلب رواة أهل السنة والعكس صحيح، ولكن ذلك لا يشكل عائقًا أمام المضمون العقدي والفقهي المتشابه إلى حد ما. فنفس نطاق الحرام والحلال متفق عليه خصوصًا أن فقه آل البيت وعلى رأسه الإمام علي والإمام جعفر الصادق كان المنبع الرئيس لأئمة الفقه عند أهل السنة ومذاهبهم الأربعة المشهورة.

أيضًا لدى الشيعة عقيدة تسمى بـ«التقية» وهي إبداء الشيعي خلاف ما يبطن في حالات الخوف من شيء يهدد حياته مثلًا، وذلك الاستخدام الضيق لتلك الرخصة التي أجازها الأئمة المؤسسون أثناء الاضهطاد للشيعة بعصور القمع الأموي وما بعده تركت أثرًا سيئًا في المتطرفين منهم حيث يتم استخدامها أحيانًا في غير ما وضعت له مما وسعها جدًا، ولكن المرجعيات الكبرى ترفض ذلك. وكأي مذهب به بدع أو تفريط وصالح وطالح؛ ظل الخلاف الأهم بين المذهبين في الحديث النبوي حيث كثر الوضاعون هنا وهناك واختلقت أحاديث وزيف جزء من حقيقة المذهب. وللأمانة فإن الوضع والاختلاق لدى الشيعة أعلى مما لدى السنة، والتحقيق والفرز في الأسانيد لدى السنة أدق من الشيعة؛ لكن كل ذلك يظل داخل إطار الاختلاف الطبيعي. لكن في مسألة واحدة تكبر الفجوة بين السنة والشيعة وتجعل من المستحيل الاتفاق بينهم وهي سب الصحابة الأكابر على رأسهم الشيخان أبو بكر وعمر، واختلاق تاريخ موازٍ لسيرهم وحقيقتهم وتشويه متعمد نما في ظل حقد عنصري فارسي ومن ثم صفوي ضد العرب ونال السنة من ردة الفعل نصيبٌ من التطرف في تشويه الآخر واختلاق التفضيل المطلق لكثير من الصحابة حتى على الإمام علي، مما جعل الأمر معقدًا جدًا بين الطرفين. وعلى الرغم من اجتهاد البعض من مرجعيات الشيعة ومفكريهم في تجنب لعن أبي بكر وعمر وإنصافهم، إلا أن الأغلبية تفعل ذلك وحساب الجميع موكل لله وليس مكانه الأرض.

– وبعد ذلك العرض الموجز للخلافات التاريخية والسياسية والعقدية بين السنة والشيعة؛ أحب أن أؤكد أن ذلك المقال يهدف إلى نقطتين.

– النقطة الأولى: لابد أن نعرف بعضنا البعض دون الترديد وراء تجار التعصب والطائفية، وأنه من حق الطرفين أن يؤمنوا بما شاؤوا ويرفضوا ما أرادوا، لكن ليس من حق طرف فيهما أن يكفر الآخر بإخراجه من عقيدة الإسلام أو يقاتله باسم المذهب وهنا بيت القصيد.

– النقطة الثانية: أن الاختلاف المذهبي والديني سنة الحياة وبدأ منذ فجر الإسلام ولن يستطيع طرف التغلب على الآخر أو محوه، خصوصًا أن السنة بتنوعاتهم هم أغلب الأمة الإسلامية والشيعة بفرقهم الثلاث «إمامية وزيدية وإسماعيلية» موجودون بكل بلد إسلامي تقريبًا، وخصوصًا ينتشرون بكثافة في دول كثيرة على رأسها إيران وباكستان والهند واليمن والعراق وسوريا ولبنان والخليج؛ بالتالي إبقاء النقد المذهبي والخلافات الفكرية داخل المحيط الأكاديمي وإبعاده عن ساحة الاستغلال السياسي والتحريض الإعلامي هو أمر في غاية الأهمية. ولنُعْلِ من نقاط الاتفاق ونتجاهل مواطن الاختلافات أملًا في تعايش حقيقي يجعل أمتنا تحيا بدينها في عدالة وكرامة لا أن تموت تحت شعارات جوفاء تفجر بحورًا من الدماء لا طائل من ورائها إلا لسماسرة الحرب ومروجي الخزعبلات.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد