ما أن يُذكر مصطلح “يتامى النظام العالمي” إلا وتتجه الأنظار نحو شرق القارة الآسيوية وتحديدًا تجاه الجزر المجاورة للهند والصين وبنغلاديش حيث “مسلمي بورما” أو الروهينجيا كما يطلقون عليهم هناك حيث القتل والحرق والسجن والنفي والتهجير والإبادة الجماعية وغير ذلك من المصطلحات التي تتنافى مع الرحمة والشفقة والإنسانية، فضلًا عن غياب الضمير العالمي وما يعرف بمنظمات حقوق الإنسان التي شارك بعضها المجتمع الدولي في جريمة السكوت وغض الطرف عن مجازر العسكر البوذيين لطائفة مسلمة تمثل بحسب التقديرات 20% من شعب ميانمار أي ما يقارب العشرة ملايين مسلم هم “مسلمو بورما”، وفي هذه القراءة نتابع أصل الصراع في بورما وتاريخه وحقائقه وحجم الانتهاكات وأشكالها المتنوعة والمواقف الدولية والعربية والإسلامية تجاه هذه الطائفة التي يسومُها البوذيون سوء العذاب.

أصل الصراع وتاريخه في أزمة بورما

تعود جذور الأزمة البورمية إلى عام 1784، حين أحتُل إقليم أراكان “الإقليم الأصلي لمسلمي بورما” من قبل البوذيين البورميين الذين دأبوا منذ الوهلة الأولى لاحتلال الإقليم على نهب خيراته واضطهاد أبنائه المسلمين، وفي عام 1824 قامت بريطانيا باحتلال ميانمار وضمتها إلى الحكومة الهندية البريطانية الاستعمارية حتى جاء عام 1937، فقامت بريطانيا بضم ميانمار إلى أراكان كمستعمرة مستقلة عن حكومة الهندية البريطانية الاستعمارية، وعُرفت حينها بميانمار البريطانية، قاوم المسلمون هناك الاحتلال البريطاني مقاومة شديدة فدفعت بريطانيا بالبوذيين المقيميين بالإقليم إلى أتون الصراع وأمدتهم بالسلاح حتى أوقعوا بالمسلمين مذبحة إجرامية راح ضحيتها ما يقارب المائة ألف مسلم في أراكان.

وفي عام 1948، منحت بريطانيا الاستقلال لميانمار شريطة أن تمنح لكل العرقيات الموجودة بها الاستقلال عنها بعد عشر سنوات إذا رغبت في ذلك، وما إن نالوا استقلالهم حتى نقضوا العهود واستمروا في احتلال إقليم أراكان على غير رغبة مسلميه “الروهينجيا” الذين يتعرضون منذ ذلك الحين لأبشع الممارسات والانتهاكات على يد البوذيين حتى الآن.

حجم وأشكال الانتهاكات الواقعة على مسلمي بورما

إذا ما بحثت في قواميس حقوق الإنسان لتتعرف على مصطلحات الانتهاكات فإنك ستجد أن كافة المصطلحات المتعلقة بالممارسات الوحشية والتعسفية قد انتقلت من واقع القواميس إلى واقع الأرض والحقيقة في منطقة بورما، وفي هذا الصدد نذكر غيضًا من فيض الانتهاكات التي تتعرض لها هذه الطائفة المسلمة.

1- تُشير التقديرات إلى أن عدد القتلى في صفوف مسلمي بورما بلغ مئات الآلاف من الأبرياء فيما بلغ عدد من تم تهجيرهم ما بين ثلاثة إلى أربعة ملايين.

2- يتعرض المسلمون في هذه المنطقة إلى العمل بالسخرة وتقييد حرية الحركة فضلًا عن فرض الأحكام العرفية عليهم، وتدمير منازلهم، وتقييد حرية العبادة وبحسب متابعين فإن السلطات في ميانمار قامت خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي بطرد مئات الآلاف من مسلمي الروهينجيا إلى بنجلاديش المجاورة (تم تهجير 128 ألف مسلم إلى حدود بنغلاديش عام 1968م. وفي عام 1974م قام الجيش البورمي بحمل 200 عائلة في قوارب وألقوا بهم في جزيرة مهجورة، وتركوهم دون طعام وشراب حتى هلكوا من الجوع والعطش). “تقرير هيومان رايتس ووتش”

3- يُعدّ التطهير العرقي أهم مآسي مسلمي بورما؛ فالبوذيون يمارسون الاضطهاد والقتل والتهجير والتشريد والتضييق الاقتصادي والثقافي ومصادرة أراضي المسلمين، فضلًا عن مصادرة مواطنتهم بزعم مشابهتهم للبنجاليين في الدين واللغة والشكل.

4- يعاني مسلمو بورما أيضًا من الطمس المتعمد للهوية والآثار الإسلامية: حيث يتم تدمير الآثار الإسلامية من مساجد ومدارس تاريخية، وما بقي يمنع منعًا باتًا من الترميم فضلًا عن إعادة البناء أو بناء أي شيء جديد لـه علاقة بالدين والملة الإسلامية من مساجد ومدارس ومكتبات ودور للأيتام وغيرها، وبعضها تهوي على رؤوس الناس بسبب التقادم، والمدارس الإسلامية تمنع من التطوير أو الاعتراف الحكومي والاعتراف بشهاداتها أو خريجيها.

5- حرمان أبناء المسلمين من مواصلة التعليم في الكليات والجامعات، فضلًا عن إغلاق المدارس الإسلامية وجميع دور التعليم والكتاتيب.

6- العمل القسري لدى الجيش البوذي أثناء التنقلات أو بناء ثكنات عسكرية أو شق طرق وغير ذلك من الأعمال الحكومية الشاقة.

7- من يذهب خارج الإقليم من مسلمي بورما لأي غرض كان (السفر – التعليم – النزوح) يُطوى قيده من سجلات القرية، ومن ثم يُعتقل عند عودته، ويُرمى به في السجون فضلًا عن منعهم من أداء فريضة الحج وذبح الأضاحي.

8- غير مسموح لمسلمي بورما التنقل من قرية إلى أخرى إلا بعد الحصول على تصريح، ولا يُسمح لهم باستضافة أحد في بيوتهم ولو كانوا أشقاء أو أقارب إلا بإذن مسبق.

9- لا يُسمح للمرأة المسلمة بالزواج إلا بعد أن تبلغ 25 سنة من عمرها، بينما لا يُسمح للرجل بالزواج إلا بعد مرور 30 سنة من عمره وهذا وفقاً لحزمة قرارات اتخذتها السلطات البوذية في الأونة الأخيرة لإثارة حفيظة المسلمين كان من بينها أيضاً ذاك القرار الذي يقضي بإحضار المرأة المسلمة الحامل إلى قاعدة إدارة قوات الأمن الحدودية لأخذ صورتها الملونة كاشفة بطنها بعد مرور كل شهر حتى تضع حملها، وفي كل مرة لا بد من دفع الرسوم بمبلغ كبير.

10- الفصل التعسفي لكل من يطلق لحيته أو يرتدي الزي الإسلامي داخل الوظائف الحكومية والدوائر الرسمية وهذا القرار أدى الى إعفاء العديد من المسلمين من وظائفهم التي يتقوتون من خلالها.

11- عدم السماح للمسلمين بتكوين أحزاب سياسية ولا جمعيات إسلامية ولا إغاثية، بالإضافة الى منع الهيئات الدولية العالمية الإسلامية بالعمل هناك.

12- تعمد إغلاق المساجد ومنع رفع الأذان وإقامة صلاة الجمعة أوغيرها من الصلوات بالإقليم.

وفي ظل هذه الإنتهاكات أصبحت الخيارات المتاحة لمسلمي بورما محدودة للغاية فإما أن يُقيم المسلمون بالإقليم الذي يعتبر بالنسبة اليهم سجن مفتوح يتحملون الأذى ويواجهون القمع والقهر وإما أن يركبوا أعالي البحار بقوارب مائية غير مجهزة تتجه بهم نحو شواطىء ماليزيا وغيرها أملاً في ملاذ أمن وقلما تنجح هذه الرحلات في تحقيق أهدافها إذ تنتهي بأصحابها في معظم الأحيان الى الموت غرقًا.

الموقف الدولي والعربي والإسلامي من الأزمة البورمية

كعادته يقف المجتمع الدولي صامتًا أمام القمع الذي يقع على أي أقلية مسلمة في أي بؤرة من بؤر العالم، فردود الأفعال الدولية حتى اللحظة لا تتعدى الإدانة اللفظية دون خطوات عملية تضغط على السلطة العسكرية البوذية، وهو ما دفع السلطات البوذية إلى زيادة وتيرة العنف والقهر والتحريض والعنصرية ضد مسلمي بورما، ضاربة بكل الانتقادات الموجهة لها عرض الحائط، وقد ظهر ذلك جليًّا حينما رفضت السلطات البوذية طلبًا قدمته الأمم المتحدة مؤخرًا يحثها على ضرورة أن تتحمل مسؤولياتها بالكامل حيال جميع سكانها وخصوصًا مسلمي الروهينجيا.

أما الموقف العربي والإسلامي فلا يقل صمتًا عن الموقف الغربي، وإن بدا عكس ذلك في بعض المواقف الإغاثية والتضامنية فبعض الدول العربية والإسلامية وعدد من الهيئات الإغاثية ساهمت بشكل جيد في حملات الإغاثة الإنسانية هناك من خلال رعاية العديد من المتضررين في الجزر ومخيمات اللاجئين، لكن مسلمي بورما يأملون في عملية تبني إسلامي حقيقي لقضيتهم من خلال وضع القضية أمام الرأي العام العالمي وتشكيل حالة من الضغط المتواصل لحلحلة تلك الأزمة ووضعها على طاولة النقاش الدولي لوقف الإجرام البوذي المتواصل.

وظهر هذا التوجه واضحًا عقب زيارة مسئولين أتراك من بينهم رجب أردوغان وأحمد داوود أوغلو للإقليم منذ سنوات وذلك للاطلاع على أوضاع الطائفة المسلمة هناك ومتابعة ملف حقوق الإنسان وهو ما ترك أثرًا إيجابيًّا لدى مسلمي الروهينجيا الذين يعتبرون مثل هذه الزيارات تُكسب القضية بعدًا إسلاميًّا عالميًّا، أما المؤسسات الإسلامية الكبرى كالأزهر الشريف والذي يعتبره الكثير النصير الأول لقضايا المسلمين في العالم فجهوده في القضية بروتوكولية وخجولة، وهكذا غالبية المؤسسات الإسلامية الأخرى، فالكارثة كبيرة والعالم صامت ووسائل الإعلام العالمية متغافلة والألسنة والأقلام متوقفة والمجازر مستمرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد