جاءت الصغيرة بنت الخمس سنوات إلى جوار أمها، قبلتها وطلبت أن يتحدثا في موضوع مهم، ولكنها تخشى أن تغضب منها. طلبت منها بلطف ألا ترتدي الحجاب ثانية، لأن هذا يضايقها كثيرًا. سألتها لماذا؟ جلست تحكي وتذكر مواقف لم تلتفت إليها والدتها، ولكنها تركت أثرًا سيئًا في نفسها.

قالت لأمها: تتذكرين عندما طلبت من المدرسة أن تقيم حفلة عيد ميلادي فرفضت وأقامت للآخرين، ألم تلاحظي أنها لا تبتسم لك ولكن تبتسم لباقي الأمهات اللاتي لا يرتدين حجاب. تذكرين أيضًا ذلك الطفل الذي كان يلعب معي حين كنا في مدينة العلوم، وحين رآك ضربني. ربما والدته قالت له إن كل من ترتدي حجابًا ستؤذيه. ثم أضافت لترغبها في تركه ربما وجدت عملًا بسهولة، استكمل أخوها قائلًا أو سمحت لك أستاذتك بالنجاح في الامتحان التي طالما لم تنجحي فيه بسبب حجابك.

لا يخفى على أحد ما تتعرض له المسلمة المحجبة من ضغوط في فرنسا، كثيرًا ما تضطر للاختيار بين حجابها، وبين عملها المهني، تحكي صديقة أنها وقعت عقدًا في إحدى المستشفيات في فرنسا، وقبلها رئيس القسم ثم قابلت مديرة المستشفى صدفة في المصعد بالحجاب، فأرسلت لها قرارًا بإنهاء العقد فورًا.

تخبرنا زميلة عربية -لا ترتدي حجابًا- همسًا، أن علينا أن نأخذ حذرنا ونخفي حجابنا أثناء تقدمنا للتسجيل للدراسات العليا في إحدى مستشفيات باريس الكبرى، لأنه سيتم رفضنا.

أعرف صديقة لم يجدد عقد زوجها في العمل لأن رئيس القسم رآه مع زوجته المحجبة. يتم تبرير الأمر دائمًا، بمبررات غير منطقية غير أن الجميع يعرف يقينًا أن السبب هو الحجاب.

إلى جانب ذلك الضغط فإن المرأة المسلمة أيضًا تتعرض لنوع آخر من الضغوط بعد كل اعتداء إرهابي، فهى كغيرها من المواطنين تتعرض لاحتمالية الاعتداء الإرهابي وسط جموع الناس، وأيضًا تتعرض إلى أعمال كراهية كردة فعل على ذلك العمل. وكم من أعمال كراهية سجلت في حق المسلمات بعد كل اعتداء، لم تأخذ زخمًا، ولم يمنع تكرارها.

قرار منع البوركيني أعاد إلى الأذهان قرار منع الحجاب، والمظاهر الدينية في المدارس، وأماكن العمل الرسمية في ٢٠٠٤. أذكر أني تفاعلت مع هذا القرار حينها ولم أكن أعلم أن القدر سيأتي بي يومًا إلى فرنسا.

القرار الذي يتنافى مع مبادئ الدولة الفرنسية «حرية، مساواة، أخوة». فهل من الحرية التدخل في حياة الأشخاص الخاصة، وكيف يظهرون في الأماكن العامة؟ هل من المساواة منع مواطنة فرنسية محجبة من الذهاب للشاطئ، بينما يسمح لأخرى لأنها غير محجبة بينما تدفع كلاهما الضرائب.

علق مجلس الدولة الفرنسي في 26 من أغسطس القرار بمنع البوركيني، وقالت المحكمة إن رؤساء البلديات لديهم حق في إصدار القرارات إلا فيما يتعلق بالحريات العامة، واعتبرت هذا القرار مقيدًا الحريات! ولكن هل ينفي هذا حقًّا الضرر النفسي المستمر الذي تتعرض له المرأة المسلمة المحجبة في فرنسا! هل يعلق هذا القرار في أروقة المحاكم الفرنسية فقط أم يعني ألا تتعرض أي مسلمة محجبة أخرى لتمييز أو مساءلة أو أفعال؟

الجدل القائم لا يتعلق لأمر البوركيني كرداء، فنحن لا نذهب كل يوم إلى البحر، ولكن يتعلق بمبدأ الحرية بشكل أساسي، والخشية أن يمتد الأمر إلى أكثر من ذلك في المستقبل.

هل سيأتي يوم لا تضطر فيه بنت الخامسة وقريناتها أن يخترن بين حجابهن ومستقبلهن!

هل ستشعر يومًا بأن حريتها مكفولة كاملة في بلد الحرية دون قيد أو شرط!

هل سيميز المجتمع بين الاندماج والانصهار، ويدرك يومًا معنى الحرية التي يتغنون بها، وأن جميع الناس أحرار لا يقدم أحدهم على الآخر إلا عمله، ومقدار ما يبذل لتقدم الإنسانية. وأن لكل حقه في حرية فكره وعقيدته طالما لا يعتدي على حرية غيره في الأمور نفسها، وأنه لا يحق لإنسان أن يمنع آخر حقه أو يأخره بناءً على مظهره أو دينه أو لونه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

فرنسا
عرض التعليقات
تحميل المزيد