يتمتّع المسلمون الذين يعيشون في الغرب، سواء الذين يحملون جنسية البلد الغربي الذي يقيمون فيه، أو المقيمون إقامة دائمة فيه بنفس المزايا الدستورية والقانونية والحقوق التي يتمتّع بها الإنسان الغربي بالكامل ودون نقصان في المطلق، فيحق للمسلمين في كل الدول الغربية، والذين يتمتعون بحق المواطنة من الانضمام إلى أكبر الأحزاب السياسية الفاعلة، سواء التي كانت في الحكم أو في المعارضة،كما يحق للمسلمين الذين يتمتعون بحق المواطنة تأسيس أحزاب سياسية أو جمعيات ثقافية واجتماعية وغيرها أو تأسيس جرائد ومجلات ووسائل إعلامية مسموعة ومرئية ومقروءة، وكل ذلك متاح وتكفله القوانين التي لا تضع أي قيد في طريق العمل السياسي أو الإعلامي أو الثقافي.

لكن مع كل هذه الحرية المتاحة والمعطاة لكل من يحمل المواطنة الغربية (الجنسية)، إلا أن المسلمين المقيمين في الغرب لم يستفيدوا من هذه الأجواء والفضاءات السياسية الحرة، إلا بمقدار 2 % كما تفيد العديد من البحوث الغربية وبعض البحوث المحدودة التي قام بها أكاديميون مسلمون،كما تشير الإحصاءات الغربية نفسها أن اهتمام المسلمين بالعمل السياسي في الغرب ضئيل إلى أبعد الحدود،فعلى الرغم من أن كافة الأحزاب الفاعلة وغير الفاعلة في الغرب لا تضع أي فيتو ضد أي مسلم كي ينضم إليها، ويكفي ملء استمارة ليصبح الإنسان عضوًا كامل العضوية في أي حزب،وله حق الوصول إلى سدة رئاسته إذا أراد،ومع ذلك فإن اهتمام الجيل الأول من المهاجرين المسلمين، وحتى الجيل الثاني والثالث بالسياسة محدودًا جدًا وللغاية،هذا وإذا كان انضمام المسلمين إلى الأحزاب الغربية بشكل عام محدود للغاية فإن ضلوعهم بتشكيل أحزاب سياسية خاصة بهم معدومة من أساسها،وذلك على الرغم من أن هناك تجارب محدودة للغاية في بريطانيا على سبيل المثال.

وقد أظهرت دراسة قام بها اثنان من الباحثين السويديين في جامعة أوبسالا وهي من أعرق الجامعات في السويد وأوروبا أن نسبة المهاجرين – ومنهم أكثر من ربع مليون مسلما في السويد – المشاركين في الحياة السياسية في السويد محدودة للغاية، حيث ينأى المهاجرون بأنفسهم عن الخارطة السياسية السويدية، بالرغم من انفتاح هذه الأخيرة على المهاجرين وعدم ممانعتها في انضمام المهاجرين إليها.

ففي السويد على سبيل المثال يوجد سبعة أحزاب تعتبر رئيسة، وهي (الحزب الاجتماعي الديموقراطي) وهو الحزب الحاكم و(حزب المحافظين) و(حزب اليسار) و(حزب الشعب) و(حزب البيئة)، ثم (الحزب الديموقراطي المسيحي) و(حزب الوسط)،والأقلية القليلة من المهاجرين ارتأت الانضمام إلى الحزب الاجتماعي الديموقراطي الحاكم أو حزب اليسار،وقلّة من أقباط مصر انضموا إلى الحزب الديموقراطي المسيحي، حتى أصبح بعضهم نوابًا في البرلمان السويدي.

هذا ويحق للمهاجر الحاصل على الجنسية السويدية كائنًا ما كان دينه ومذهبه أن يرشح نفسه للانتخابات البلدية والتشريعية،حيث إن دوائر قرار البلديات في السويد لها صلاحيات واسعة، وهي التي تنظّم شؤونها – بعض المهاجرين العرب من فلسطينيين ولبنانيين وإريتيريين وأكراد وإيرانيين ويوغسلاف سابقين – وتقول الوزيرة السويدية منى سالين المكلفة بشؤون الاندماج أنها تعمل ما في وسعها لكي يصبح للمهاجرين موقع كبير في الخارطة السياسية السويدية كما في أسواق العمل،ولكن المشكلة كما يوجزها بعض الباحثين السويديين تكمن في انكفاء المهاجرين على أنفسهم وعدم اهتمامهم بما يدور حولهم،فعلى سبيل المثال كشفت دراسة استطلاعية سويدية أن عدد المهاجرين الذين يقرأون الصحف السويدية بشكل مستمر هم قلة قليلة لا يتجاوزون عدد أصابع اليد،والإنتليجانسيا المهاجرة في السويد موزعة على نفسها بين فئة ترى وجوب تشكيل حزب سياسي ينطق باسم المهاجرين ويحمل قضاياهم المركزية إلى البرلمان السويدي ودوائر القرار ووسائل الإعلام المختلفة وبين فئة ترى الاكتفاء بالعمل ضمن المعادلة السياسية السويدية.

ومهما كانت الأسباب التي حالت وتحول دون انتظام المهاجرين في السويد في المعادلة السياسية السويدية،فإن الملاحظة الأساسية التي يمكن إدراجها في هذا السياق هو عدم توافق المهاجرين على مشروع أو رؤية واحدة،فإذا كان التشتت بات يشمل أبناء الجالية الواحدة فما بالك بالمهاجرين بشكل عام.

وتطالب الدوائر السويدية المهاجرين بلعب دور أكبر في الحياة السياسية السويدية خصوصًا لجهة ما يتعلق بإثراء مشروع مجتمع متعدد الثقافات كذاك الذي تسعى السويد إلى إقامته،وما يقال في الشأن السياسي هو عينه يقال في الشأن الإعلامي، إذ إن الجاليات المهاجرة تفتقد إلى منابر إعلامية فاعلة، بالرغم من أن وزارة الثقافة السويدية تقدم دعمًا هائلًا للصحف والمجلات الناطقة بلغات متواجدة في السويد كاللغة العربية والفارسية والكردية والتركية وغيرها،ويملك المهاجرون في السويد بما في ذلك العرب والمسلمون كل المقومات؛ ليصبحوا رقمًا إيجابيًا وضاغطًا في الحياة السياسية السويدية،لكن غياب المؤسسات الفاعلة والمرجعيات التي ترسم النهج والرؤية هو الذي أبقى حالة التشتت سارية المفعول.

وما ينطبق على السويد يطبق على غيرها من دول شمال العالم و بقية الدول الغربية،حيث حرم المسلمون أنفسهم من حق التأثير في اللعبة السياسية الغربية وبالتالي المساهمة في صياغة القرارات الكبرى والصغرى التي تتخذ في البرلمانات الغربية – معظم النظم السياسية الغربية برلمانية – ويقول أحد الخبراء الغربيين أن عدم مشاركة المسلمين الذين يتمتعون بحق المواطنة في الحياة السياسية وفي الانتخابات العامة التشريعية والبلدية جعلهم مسيرين من قبل نخبة سياسية غربية تتجاهل مطالبهم وتطلعاتهم،وكان بإمكانهم لو استخدموا حق مواطنتهم من تغيير الكثير من المعادلات والتوجهات.

وفي هذا السياق يشار إلى أن المسلمين في الغرب يحتاجون إلى وضع استراتيجية كاملة للتأثير على الحياة السياسية الغربية والتأثير على مجرياتها، ويكون ذلك إما عبر الانضمام المكثف إلى الأحزاب الفاعلة أو عبر صناعة أحزاب جديدة تخاطب على وجه التحديد الجيل الثاني والثالث من المهاجرين المسلمين وتشعرهم بأدوارهم في معترك السياسة الغربية.

أما عدم انخراط المسلمين في اللعبة السياسية الغربية فمرده إلى أسباب عديدة، أهمها المستوى الثقافي البسيط للمهاجرين المسلمين، حيث لم تعمل شرائح واسعة من المسلمين على تطوير شخصيتهم العلمية والثقافية وذلك على الرغم من أن الدورات التعليمية النهارية والليلية منتشرة في الغرب،كما أن الاختلاف الضارب أطنابه بين التوجهات الإسلامية في الغرب حال دون توحيد الرؤى ورسم الرؤية الموحدة،هذا بالإضافة إلى أن الأغلبية الساحقة من المسلمين يفضلون إقامة جمعيات إسلامية خاصة بهم على الانخراط في أحزاب حاكمة ومؤثرة، وبالتالي التأثير في القرارات الكبرى لهذا الحزب أو ذاك،علمًا أن تشكيل الجمعية الإسلامية له إيجابيات عدة، لكن مفعولها يبقى محدودًا، وذلك في نطاق عوائل مسلمة محدودة يدرس أبناؤها اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي،أما العمل ضمن المعادلة السياسية الغربية (الأحزاب) من شأنه التمكين لحقوق المسلمين في الجغرافيا الغربية وفي الجغرافيا الإسلامية أيضا وذلك على صعيد المساهمة في صناعة سياسة خارجية تكون قريبة إلى تطلعات الشعوب المسلمة، أو على الأقل تحد من الهجمات الشرسة التي يتعرض لها عالمنا العربي والإسلامي.

أخيرًا يبقى القول إن المسلمين الذين يتمتعون بحق المواطنة الغربية أمام فرص تاريخية حقيقية للمساهمة في الانتصار لحضارتهم الإسلامية وروافدها،ويكفي أن يرتقي المسلم في الغرب إلى مستوى الفعالية الحضارية والسياسية ويدرك أن المال وحده والسعي لجمعه بالطرق المحللّة والمحرمة كيفما اتفق لا يقدم أية خدمة للمسلمين الذين باتوا في حاجة ماسة إلى أية نصرة من أي مكان تأتيهم، وتحديدًا في العصرين الأمريكي الصهيوني!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

الدكتور يحيى أبو زكريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد