بالتكبير الذي هزّ قُبة البرلمان السوداني في استقبال رئيس الجمهورية التركية رجب طيب أردوغان خلال زيارته الأخيرة للعاصمة السودانية الخرطوم، وكيف وهبت السودان جزيرة تابعة لها تقع في البحر الأحمر للأتراك، ومن القاعدة العسكرية التركية في قطر والتي أصبحت حليفًا استراتيجيًا لأنقرة، إلى الصومال والتي أنشأت تركيا قاعدة عسكرية أخرى بها، وتخريج فوج من الجيش الصومالي أشرف على تدريبه الجيش التركي قبل أيام.

ومن التفاهمات الأخيرة بين تونس وأنقرة خلال الزيارة الأخيرة للرئيس التركي للمنطقة، ومن ملايين اللاجئين السوريين والعراقيين في تركيا وتمتعهم بحقوق وامتيازات لم يجدوها في بلاد عربية أخرى، ومعسكر بعشيقة التركي العسكري في العراق، والتحالف بين بغداد وأنقرة لمواجهة الأكراد وعملية درع الفرات في سوريا، وتبني قضية القدس بشكل لافت للنظر في تصريحات للرئيس التركي والتي تُعتبر الأقوى عربيًا وإسلاميًا ودوليًا، وذلك بعد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس والاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل، واستضافة تركيا مؤتمر دول العالم الإسلامي لدعم قضية القدس ودعم قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن القدس.

ومن الدراما التركية التي غزت الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط، فمن مسلسل قيامة أرطغرل إلى السلطان عبد الحميد وحلقات وادي الذئاب وحتى في الجانب الآخر للدراما التركية من العشق الممنوع وغيرها من الأعمال الدرامية وهذا الإقبال الكبير من قِبل الجمهور العربي المتابع.

لم يتوقف هذا الأمر عند هذا الحد، فعلى المستوى الثقافي أيضًا كان الحضور التركي موجودًا وبقوة؛ والكل يلاحظ توجه الشباب العربي لتعلم اللغة التركية وكيف نافس «التومر» التركي كلًا من «التوفل» الأمريكي و«الآيلس» البريطاني إضافة للمنح التعليمية التركية التي جابت العالم العربي بشكل واسع.

ومن الجانب الاقتصادي لتجد أن أكبر الاستثمارات في تركيا هي استثمارات عربية وأكبر عدد من السواح الوافدين إلى تركيا هم من السياح العرب.

هذا النجاح التركي في إعادة دور تركيا في الوطن العربي ومنطقة الشرق الأوسط يقابله فشل بالنسبة لدول كانت تُعتبر رائدة في قيادة المنطقة العربية، كالدور السعودي والمصري الذي تراجع بشكل لافت؛ بسبب بعض السياسات الخاطئة التي ارتكبتها تلك الدول، ولعل تصريحات وزير الخارجية المصري الأخيرة بشأن إمكانية رجوع العلاقات التركية المصرية يُثبت ذلك.

وأيضًا حالة التوتر التي سادت العلاقات التركية الإماراتية بعد تغريدة وزير الخارجية الإماراتي عبر موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، والتي هاجم فيها فخر الدين باشا حاكم المدينة المنورة إبان الحكم التركي (الخلافة العثمانية) للوطن العربي آنذاك، لتُعطي دليلًا ثانيًا على تصاعد الخوف من قبل بعض الإدارات في المنطقة العربية من حالة القبول الشعبي لتركيا في المنطقة.

فزيارة رئيس الوزراء التركي علي بن يلدريم إلى الرياض، وتصريحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بأنه ينوي زيارة تركيا في القريب العاجل، كانت نتيجة لتصاعد الدور التركي في المنطقة، والذي بدوره أقلق تلك الدول التي تُسارع في احتواء الأمر.

ولابد من الإشارة إلى أن تركيا ليست وحدها في ساحة الشرق الأوسط، فالولايات المتحدة الأمريكية ما زالت قائمة وبالمقابل أيضًا الحضور الروسي ما زال موجودًا، والظهور الإيراني حاضر.

لكن المُطّلع على ما يجري على أرض الواقع يجد رجاحة كفة الميزان لصالح الأتراك، فسوء تعامل الإدراة الأمريكية الجديدة مع قضايا الشرق الأوسط، والحرب التي خاضتها إيران في كل من سوريا والعراق واليمن، والسياسة العسكرية التي مارسها الدب الروسي في سوريا، جعلت الشعوب العربية تنفر من تلك الدول وسياستها وتُفضل السياسة التركية، ناهيك عن الترابط التاريخي والديني والحضاري الإنساني بين الأتراك والعرب. لذلك تركيا تعود.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد