(1)
كنت فى الخامسة إلا بضعة أشهر – أتذكر جيدًا كل لحظة – يومها دخل أبي المنزل ومعه شنطة صغيرة، فتحها وأخرج شريط كاسيت، وأخبرني أنه حصل أخيرًا عليه من أحد أصدقائه، وأنه تسجيل نادر لإحدى حفلات الشيخ مصطفى إسماعيل.

تعجبت يومها – بسذاجة الطفل – من كون أبي معجب بإنجازه الخاص، وكونه حصل على “مجرد شريط”، فمثل هذه الأشياء لا تثير إلا غضب الأطفال الطامحين في شيكولاتة أو “باكو بسكوت”.

 

طلب مني أن أضعه فى الكاسيت وأديره، وفعلت.. لحظات وسمعت صوتًا لن أنساه، فرغم صغر حجمي وبالمثل صغر إدراكي للأشياء شعرت أن لحنًا شجيًا يطرب آذاني، وبنظرة إلى أبي دفعني الفضول أن أقلده فى الاستمتاع، فبدأت أردد معه “الله.. يا جميل”.

 

كانت سورة الحاقة، ولا أخفي عليكم سرًا، فمشاعر أبي تجاه القارئ كانت هي المحرك الأول لمشاعري، لذا تفاعلت مع الأداء، وصار الشريط من يومها رفيق لحظات عديدة، وظل اسم الشيخ مصطفى اسماعيل عالقا في ذهني، حتى صرت شابًا وعرفت عنه الكثير.

 

(2)
سمعت يومًا “عمار الشريعي” في إحدى حلقات برنامجه التلفزيوني “سهرة شريعي” يتحدث عن مولانا وجماله، في حلقة خصصها لتلاوات مصطفى إسماعيل وشرح المقامات الستخدمة.. أبهرني عمار بعذوبة وشجن وثقافة الشيخ الموسيقية، وكيف يستخدم المقامات بمهارة غير عادية وبوعي موسيقي محترف، ليرتقي بالمستمع إلى أعلى مراتب التجلي، ويقدم شرحًا وتفسيرًا مبسطًا من خلال صوته لمعنى الآية دون أن تضطر للبحث عن تفسيرات حرفيّة.. فقط صوت مولانا كافي لتفهم القصد وتعيش مع إبداع الخالق.

 

من بين الآيات التي علقت في ذهني وقتها “فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً…” (من سورة القمر).

 

كان الشريعي يتأمل كيف بدأ الشيخ الجميل السورة بمقام “الصبا” وهو مقام في شرح الانطباع الذي يتركه للسمتع تقرأ عنه: “عندما تسمع الآلات الموسيقية تعزف هذا المقام يُخيّل إليك وكأنها تبكي، فهذا المقام حزين جدًا ولا ينافسه أي مقام آخر في درجة الحزن”.. وكأن الشيخ مصطفى إسماعيل تعمد استخدام “الصبا” لتشعر بمعاناة سيدنا “نوح” وانكساره ودعائه ربه وهو مغلوب بعد أن كذبوه “وقالوا مجنون وأزدجر”.

 

ثم يدرك الشيخ إن بعد هذا الدعاء هناك انتصار واستجابة عظيمة من رب العالمين، فا يتحول من مقام “الصبا” إلى مقام “العجم” الأقرب للموسيقى الأوبرالية، مستغلاً حروف المدّ في باقي الآية ليصوّر للمستمع عظمة الانتصار، وكأن “نوح” تُرد إليه كرامته بعد كل الظلم الذي تعرض له، وأشياء أخرى بديعة من هذا القبيل.

 

 

لأسباب كهذه وأكثر، أصبح إسماعيل أقربهم إلى قلبي، بل أحبهم على الإطلاق، بعيدًا عن أصوات الخليج وآخرين الدافعة للنوم هربًا، أو اللجوء إلى سماعات الموبايل.

(3)
في نفس المرحلة العمرية تقريبًا، تعرفت على صوت محمد عبدالوهاب.. كنت طفل المنزل القصير، وحجمي لا يتجاوز درج المكتبة الثالث، لذا كان مكاني المفضل للعبث والاكتشاف، فالأب – فنان تشكيلي – كل يوم أو يومين، يضع جديدا داخله، مرة علبة ألوان، ومره فرشاه، وهكذا.

يومها فتحت الدرج ووجدت شريط، دفعني الفضول لاكتشافه بنفسي، خاصة أن تشغيل الكاسيت فى حد ذاته أمر يستهوى غريزتي الطفولية.. مع أول صوت خرج من الشريط جلست على ركبتي أسمع بشغف واستمتاع أذكرهما حتى اليوم.

كان صوت عبدالوهاب ندي، وكانت كلمات أغنية “من غير ليه” صاحبة فضل على طفل في حجمي، ليبدأ في التعود على سماع كلمات لا تقل قيمة ولا جمال عنها، وسط زحام “الجعير” وأصوات المرتزقة الموجودين حاليًا.

 

(4)
ثمة خيط مشترك جمع بين عشقي لمولانا والموسيقار، فكلاهما تعرفت عليه في نفس المرحلة، وبطرق مماثلة، وكأنهما اختارا وقتهما المناسب ليظهرا معًا في حياتي.

بمرور السنين، صار البحث ومحاولة تجميع خيوط الذكريات أمرًا مهما، فاكتشفت بالصدفة صورة دافئة تجمعهما، يتبادلان الأحضان، بعدها شاهدت فيديو لجلسة مشتركة بينهما عام 1952.

 

يومها تأكدت أن ما بين الموسيقار ومولانا ليس مجرد خيال طفل، بل واقع الأمر أن علاقة قوية نشأت، وروح طيبة جمعت بينهما، وكأنهما خلقا ليكملا بعضهما بعضًا، كلا منهما على طريقته وفي مكانه، يجمعهما التجلي وعذوبة المقامات وحسن توظيفها.

 

كانا يشعرا بذلك في الأغلب، لذلك كلما اجتمعا معًا في مكان صدفة أو عمدًا جلسا بجوار بعضهما، وتحابا وتحاورا.. يقرأ مولانا ما تيسر، ويعزف عبدالوهاب ما هدته إليه روحه.. حتى في المرة التي قررت الدولة منح كبارها جوائز، جمعتهما معًا في حفلٍ واحد عام 1965، عندما منحهم جمال عبدالناصر وسام الجمهورية، وتلاقت أجسادهم بالأحضان يومها.

 

(5)
يقول الموسيقار محمد عبدالوهاب: “إن الشيخ مصطفى إسماعيل يفاجئنا دائمًا بمسارات موسيقية وقفلات غير متوقعة، وهو كبير جدًا في موهبته وكبير في إدارة صوته، وله جرأة في الارتجال الموسيقي والصعود بصوته إلى جواب الجواب بشكل لم نعرفه في أي صوت حتى الآن”.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد