في إطار المنافسة الدولية على الريادة الدولية وقيادة العالم، نجد مجموعة من الدول تسعى للعب مثل هذه الأدوار على الساحة الدولية في مختلف العصور، من خلال تحكمها في مختلف عناصر القوة محليًّا ودوليًّا، فمفهوم القوة العظمى لا يندرج ضمن استعمال القوة العسكرية فحسب، كما في السابق، بل تغيَّر وأصبح يعبر عن قدرة الدولة في استحضار مختلف عناصر القوة (النمو الاقتصادي، التطور التكنولوجي، الاتصالات، البعد القيمي والثقافي…إلخ)، ومدى تأثيرها عالميًّا.

تطور المفهوم أكثر إلى أن بلغ توصيف القوى العظمى بالقوى الخارقة، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية في العصر الحالي، نظرًا إلى تطورها التكنولوجي والعسكري والاقتصادي الفريد في العالم، في ظل إستراتيجياتها الكبرى لمواجهة مختلف التحديات العالمية، إلاَّ أن القوة الأولى في العالم –أمريكا- لم تستطع التصدي لتهديد مدني اخترق أمن وسيادة أقوى منظومة عسكرية وتكنولوجية في العالم، وذلك على إثر خلفية تفجيرات 11 سبتمبر 2001، التي استهدفت برجي التجارة العالميين في نيويورك، من طرف تنظيم القاعدة في إطار عمليات ما يسمى بالإرهاب الدولي، ونظرًا إلى عدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية والقوى الكبرى مجتمعة في الحد من مخاطر الإرهاب الدولي على الصعيد العالمي، وتأسيسًا على تلك التفجيرات، أُطلق على الإرهاب الدولي في تلك الفترة اسم الإرهاب الخارق، نظرًا إلى عدم قدرة الدول الكبرى التحكم فيه، ومعرفة مصادره، عدو بلا إقليم ولا دولة.

ومع التحولات التي شهدتها الساحة الدولية في تلك الفترة، تطورت تلك التهديدات وزادت حدتها، وأصبحت ضمن ما يسمى بالتهديدات الهجينة (غير العسكرية)، وعلى رأس هذه التهديدات: التغيرات المناخية، التلوث، الأمراض، الأوبئة، الفيروسات… إلخ، وعلى ذكر هذه الأخيرة وقف العالم برمته حائرًا أمام التهديد الخارق وباء كورونا (كوفيد-19)، الذي استهدف دول العالم برمته، وفي قائمتها القوى الكبرى: أمريكا، روسيا، والصين، الدول الأوروبية… إلخ، أدخلها ضمن ماراثون المنافسة الدولية لإيجاد اللقاح الأنجع ضد هذا الوباء، على غرار لقاح سبوتنيك الروسي، وفايزر الأمريكي، وسينوفاك الصيني …إلخ، خاصة مع تحور هذا الوباء (السلالة الهندية متحور دلتا)، ومدى خطورته والمصنف ضمن تهديدات ومخاطر القرن الحادي والعشرين، التي أبقت العالم في حيرة أمام إيجاد حل لهذا التهديد، وأدخله في دوامة من التنافس أبعد ما تكون ضمن أطروحات التعاون الدولي، فالأمر قائم على الريادة والمنافسة في تحقيق الأرباح وغزو الأسواق العالمية، فيما تَسْبح الدول العالم ثالثية في فلك التبعية للقوى العالمية، تزامنًا مع أزمة تراجع أسعار البترول العالمية، وطالت تداعيات هذه التهديدات علاقات التعاون البينية للدول العربية، وتردد البعض منها كالعلاقات غير المستقرة بين المغرب والجزائر، ضمن قضية فتح الحدود، أزمة الصحراء الغربية، والتطبيع مع إسرائيل، أما على المستوى المحلي فقد ساهمت الأزمة في تردي الأوضاع الداخلية لدول العالم الثالث في مختلف القطاعات: الاقتصاد، الصحة، التعليم، والرياضة…إلخ، هذا إلى جانب استفحال ظاهرة التخلف، وتنامي سياسات البيروقراطية داخل مؤسسات وحكومات الدول العربية.

ومن منظور آخر يدفع ببصيص من الأمل ساهمت هذه الأزمة بشكل فعال في إشراك فاعلين غير رسميين في الحد من تداعيات الجائحة (منظمات المجتمع المدني، القطاع الخاص، رجال الأعمال…)، إلى جانب التنظيمات الرسمية، وفق مبدأ العمل الجماعي والعمل التطوعي، في تقديم المساعدات للمؤسسات الوطنية، كالمستشفيات وتزويدها بمختلف التجهيزات والمعدات الطبية الضرورية، (مولدات ومكثفات الأكسيجين، الكمامات…إلخ)، للحد من انتشار الفيروس، وتداعياته على الدول والأفراد بشكل مباشر أو غير مباشر، في محاولة للحد من تداعيات مثل هكذا أزمات، بالرغم من وجود بعض التحديات البيروقراطية التي تحول دون ذلك.

وفي ظل هذه الجائحة العالمية يستدعي الأمر ضرورة مراجعة الدول العربية لسياساتها المحلية والوطنية، من إصلاح لمنظوماتها التعليمية، وقطاع الصحة، والاعتماد على الاقتصادات البديلة، تشجيع الاستثمارات، بعيدًا عن سياسات الريع، وإنعاش قطاع السياحة، توطين العمليات التنموية، وتفعيل سياسات المشاركة، وتوجيه الاستثمارات نحو اقتصاد مستدام، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ضرورة إعادة النظر في طبيعة العلاقات البينية الإقليمة والدولية، في إطار عمليات التعاون الشراكات واستغلال المقومات المادية وغير المادية المساعدة في ذلك، فمصير هذه الدول العربية ليس في منأى عن تطورات بيئة التنافس الدولي، التي تعتريها أزمات عالمية مستفحلة، لم تسلم من تداعياتها القوى الكبرى، التي وقفت مرتبكة أمام إيجاد حل لتهديد عالمي يستدعي تضافر الجهود بين الدول، مجتمعات، منظمات، قطاع خاص، أفراد…إلخ، للحيلولة دون تفشي وباء متحور وخارق، يتميز بالخطورة والقدرة على التخفي المناعي، وسرعة الانتشار.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد