تم قتل حضارة كاملة بتصوير الملاك شيطانًا، وبتصوير الشيطان ملاكًا

– ناجح سهلب.

كانت هذه هي المقدمة الافتتاحية التي بدأ بها الباحث ناجح سهلب بحثه صغير الحجم، في قضية (المعتزلة) محاولًا وضع رؤية مختلفة للأمر؛ تقوم على البحث الحقيقي الجاد، الخالي من الرواسب السابقة التي تُضعِف مصداقية الباحث. ونتناول هنا عرض بعض الأجزاء التي جاءت في البحث والتي أظنّها من أهم ما كُتِب وكان مفصليًّا في البحث، وأيضًا لتنبيه من يريد أن يبدأ طريقه في قضية المعتزلة أن يبدأ من هذا البحث.

مقدمة لا بد منها:

بدأ البحث كما هو متوقع بتعريف المعتزلة، وإيضاح سبب التسمية بهذا الاسم؛ سواء الرواية المتعلّقة بالإمام الحسن البصري، الذي يُعتبر من أوائل علماء القدرية، والرواية الثانية المتعلّقة بزمن بيعة معاوية بن أبي سفيان بوصفه حاكمًا للمسلمين. ولن نتعَّرض بالسرد لسبب تسمية المعتزلة بهذا الاسم لضيق المساحة، أما عما كتبه سهلب في تعريفه لهم فقال: «المعتزلة هم امتداد طبيعي لِمَن أطلَق عليهم خصومهم من الجبرية اسم القدرية من أهل الحديث، وهم مِمَّن يقولون بالعدل وينفون الجبر، وأنّ الإنسان مختار فاعل لعمله. ويقولون بالعدل والتوحيد».

فضل المعتزلة على العلوم:

ما إن تأتي سيرة المعتزلة تجد هجومًا غير مبرَّر عليهم، والادعاء بأنهم لم يقدموا شيئًا يُذكر، ولكن ألا يعلم هؤلاء أن أحد أهم واضعي العلوم اللغوية، ومؤسسي بعض العلوم أساسًا من المعتزلة؟ منهم من وضع وقعّد علوم اللغة العربية، فسيبويه منهم، والمازني واضع علم الصرف منهم، وحتى مؤسس المنهج التجريبي الحديث ابن الهيثم فهو منهم، وغيرهم من الأمثلة التي ذكرها الكاتب في بحثه.

المواجهة الفكرية الأولى: خلق القرآن

تستخدم دائمًا قضية خلق القرآن باعتبارها حجةً للتنكيل بفكر المعتزلة، ولكن وضع الباحث بين أيدينا ما يردُّ به على تلك الحجّة، ويوضِّح سبب قول المعتزلة في ذلك، فيروي ويقول «إنّ أوَّل من قال بأنّ كلام الله غير مخلوق هو يوحنا الدمشقي -كاتب معاوية بن أبي سفيان وصاحب أمره، وكاتب يزيد بن معاوية وصاحب أمره- قال للمسلمين في الشام: هل تقولون بأنّ عيسى كلمة من ربه أوحاها إلى مريم وروح منه؟. فقال المسلمون: نعم. فقال يوحنا: وكلمة الله غير مخلوقة، إذن عيسى غير مخلوق. فهو سبب القول بأن كلام الله غير مخلوق – باعتبار القرآن كلمة الله أيضًا – فقد نشرها في الشام بين المسلمين ليثبت بها ألوهية المسيح؛ وأنّه كلمة من الله غير مخلوقة. فتصدى له المعتزلة بالبراهين على أن كلام الله مخلوق دفاعًا عن الإسلام. ولذلك فلم يكن القول بخلق القرآن الكريم ترفًا فكريًا، ولا قولًا بلا طائل، وإنَما كان دفاعًا صريحًا عن الإسلام.

المواجهة الفكرية الثانية: العقل قبل النقل

يؤخذ أيضًا على المعتزلة قولهم ومبدؤهم «العقل قبل النقل» بمعنى أن العقل هو الفاهم والنص هو المفهوم، ولا يوجد قراءة للنص بدون إطار عقلاني، مهما اختلف هذا الإطار. فالمسألة صراع عقول وليس صراع عقل ونص.

المواجهة الفكرية الثالثة: علم الكلام

يعتبر علم الكلام من الأمور التي يدور حولها الكثير من الشدّ والجذب بين الجبريين والمعتزلة، ووصل الأمر أن يقول البعض على علم الكلام أنّه علم مُحدث مُبتدَع، ولا يجوز الخوض فيه؛ لأن الصحابة الكرام لم يعرفوه ولم يخوضوا فيه! وكأنّ الصحابة عرفوا النحو والصرف الذين أسسهم معتزلة، ويستعملهم الجبريين!

أما عن المفهوم الصحيح لعلم الكلام فيعرفه سهلب بأنّه «هو العلم الذي يَبحث في الأدلة والحجج التي تثُبِت وجود الله وبعث الأنبياء والرسل وصحّة رسالة محمّد عليه الصلاة والسلام» وقد نشأ هذا العلم نتيجة المناقشات والمعارك الكلامية التي نشأت بين المسلمين وأبناء باقي الملل والفلاسفة، وبين المسلمين والمسلمين حول قضايا القدر والعلم الإلهي.

أصول المعتزلة:

للمعتزلة أصول ومبادئ كأي جماعة دينية كانت أو سياسية، وتعتبر أصولهم هي المبادئ التي يتفق عليها كل المعتزلة بشكل عام، ويتفقوا على أصلين هما؛ العدل والتوحيد. ولأنّ المعتزلة بشر مثلنا، وجماعة فيها مجموعة تختلف بعض الشيء عما تؤمن به الجماعة وتزيد عليها، فينتج لنا ثلاثة أصول جديدة يؤمن بها مجموعة من المعتزلة وهم؛ المنزلة بين المنزلتين، الوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وسأعرض أصلين فقط هنا، أما المتبقي فتركته لمن يقرأ.

العدل: المقصود به العدل الإلهي، الذي يقتضي حُرِّية الإنسان في أفعاله، والإنسان هو المُحدِث لهذه الأفعال والمسؤول عنها.

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: بشكل خاص عند المُعتزلة أنّ ولي الأمر (الحاكم) المُصرّ على الكبائر يجوز الخروج عليه لتغييره بالقوة عند التمكّن؛ والتمكّن خاصةً لأنّه شرط ضروري عند المُعتزلة.

الشكّ عند المعتزلة:

كما ورد سابقًا أن المعتزلة يضعون العقل قبل أي شيء، وأن العقل أشبه ما يكون بالمقدَّس لديهم، ولذلك نتج عندهم مفهوم الشكّ ؛ فالإشكالية هي إثبات شيء لشيء، أو نفي شيء عن شيء. وبالتالي فنحن أمام قضية إثبات أو نفي، ولا تستطيع أن تُجزم بصحة أي منهما بدون دليل عقلي واضح، وحتى نحصل على الدليل لا نحكم بصحّة أحدهما عن الآخر، ويُسمى هذا الموقف بالشكّ المنهجي القائم على الدليل.

أي أننا عندما لا تتوافر لدينا الأدلة فالشكّ هو الخيار المنطقي السليم، وعندما تتوافر لدينا الأدلة ولا نستطيع أن نرجّح صحة النفي أو الاثبات فالشكّ هو الخيار المنطقي السليم، وبسبب هذا المنهج يقول بعض الباحثين أن المعتزلة يعتبروا هم مؤسسي منهج الشكّ المنهجي، وليس أبو حامد الغزالي، أو ديكارت.

ثم استطرد الباحث بعدها طويلًا في شرح مفهوم الشكّ المنهجي في فِكر المعتزلة بالتفاصيل والتحليل، ويستلزم لفهم الأمر فهمًا جيّدًا العودة للبحث لقراءته.

خفوت المعتزلة وانحسارهم:

انقسم العديد من الباحثين والكتّاب في الحديث عن سبب اختفاء المعتزلة، واندثار فكرهم؛ قام بعض الكتاب بوضع فرضيات لشرح سبب اختفاء المعتزلة، منها أنّ الفكر المعتزلي فكر نخبوي عقلاني صعب على الناس ولذلك اندثر، والحق أن هناك مذاهب فلسفية كالمشائية وغيرها تتشارك النخبوية والصعوبة أحيانًا كثيرة ولكنّها استمرت، كما أنّ هناك قرى ومدن كان معظم أهلها من المعتزلة في زمن من الأزمنة كخوارزم وعسكر وغيرها الكثير، ونقل الكاتب العديد من الروايات عن سبب اختفاء المعتزلة والتي توضّح وتؤيد رأيه ورأيي الشخصي بأن اختفاء المعتزلة ليس بسبب نخبوية ما يفكرون فيه، بل التضييق عليهم، وإقامة محاكم التفتيش لهم.

وباستكمال البحث، يذكر الباحث بعض مما أنتجه كبار أئمة المعتزلة، ثم يتطرق إلى بعض التفاسير التي فسّرها المعتزلة لبعض ما ذُكر في القرآن، ثم قبل أن يختم يتناول باستفاضة ما أطلَق عليه «المعتزلة وفتنة خلق القرآن» يشرح، يحلل، ويوضّح ما يريده في هذه النقطة.

في النهاية، أعتذر عن طول ما كُتب، وعن ما تركته حتى لا أضيّع متعة اكتشافه بالقراءة، أو أتدخل بكلمة أو رأي شخصي في تحديد أو توجيه القارئ. وأدعوكم لقراءة هذا البحث قراءة متأنية، وستجدون البحث متاحًا مجانًا بصفحته على موقع Goodreads ليستطيع أي شخص الاطّلاع عليه، والتعرف على الفِكر المعتزلي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد