الفكرة لا تنشأ في فراغ، وإنما هي رد فعل لما يدور حولها، تُولد لتقاوم واقعًا وتقيم غيره، كذلك المعتزلة نشأت في بيئة معقدة؛ نشأت بين السيوف والمناظرات، واجهت ملوكًا فجرة وحكامًا راشدين، واجهت خوارج وشيعة ومرجئة وجبرية، مسيحيين ويهود ومجوس وملحدين وفلاسفة، فهي بيئة يجب المرور عليها لندرك حيثيات النبتة الجديدة.

الشيعة

أول جماعة واجهتها المعتزلة كانت الشيعة، وما يميز الشيعة عن غيرهم ليس تفضيل علي على أبي بكر، فهو موقف سياسي قد يقول به أحد خارج الشيعة، لكن ما يميزهم وحدهم: قولهم بالوصية لولاية علي؛ حيث يدَّعون أن النبي أوصى بانتقال الحكم من بعده لعلي، وقد أخفى الصحابة هذه الوصية، ويتمسكون بأحاديث آحاد ضعيفة أو موضوعة، وتأويلات فاسدة لآيات يلوونها لتثبت هذه الوصية، ومن ملامح هذه الفرقة:

– لا يختار الشعب الحاكم، وإنما يختاره الله، ويوصي الحاكم لمن بعده.

– وظيفة الحاكم دينية، فهو يقوم مقام النبي، فيحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه في فهم الدين، ويوحي الله إليه ليوجه رأيه. وهو معصوم فيما يختص التبليغ، وقد تظهر على يديه معجزات.([1])

وقد اختلف معهم المعتزلة تمام الاختلاف، فللمعتزلة فكرهم الرائد عن الحكم، فيرون أن الشعب هو الذي يختار حاكمه، وآليات الاختيار: أن أهل الحل والعقد يختارون الحاكم، وذلك لدرايتهم بمتطلبات المنصب، وأهل الحل والعقد أنفسهم يُشترط لاختيارهم: الصلاح، والعلم، والخبرة السياسية.

وقد توصلوا إلى فصل السلطات؛ فالحاكم ما هو إلى جهة تنفيذية، والقضاء جهة مستقلة لا يتدخل فيها الحاكم، وإن ظلم الحاكم يعاقبه القضاء.

وفي حين يرى الشيعة استحالة الخروج على الحاكم، باعتباره مختارًا من الله، ويرفض أهل الحديث الخروج على الحاكم الفاسد بالسيف درءًا للمفسدة، إلا أن المعتزلة يرون أن الحاكم ما هو إلا أجير عند الشعب، اختاروه لتحقيق العدل، وإن أخل بوظيفته وجب عزله، ولو بالسيف. والحاكم المتغلب بالسيف إن كان فاسدًا لا سمع له ولا طاعة، وإنما يجب عزله.([2])

لكن ليست الثورة المسلحة عند المعتزلة تهورًا وفوضى، فعمرو بن عبيد، أحد كبار المعتزلة، لديه نظرية في الثورة: وهي التمكن؛ أي يشترط للثورة توفر العدة والاستعداد الذي يضمن نجاحها، وذلك بتوفر عدد من ثابتي العقيدة، شديدي البأس، مثل أهل بدر، وسماهم البدريين. وبذلك لا ثورة إلا بالأخذ بالأسباب العملية لنجاحها، أما الثورة المتهورة التي تجر على البلاد فوضى وخراب، فلا يؤيدها.([3])

بنو أمية

أما عن بني أمية، فبعد أن تنازل الحسن لمعاوية، ظنوا أن الفتنة قد انتهت وسموه عام الجماعة؛ إذ اجتمعت الأمة بعد القتال، لكن انتقلت الخلافة الراشدة العادلة إلى ملك عضود يتوارثه بنو أمية، وبدؤوا حكمهم بذبح الحسين، سبط رسول الله، وأسر نساء آل البيت، وحين ثار أهل المدينة على واليهم الظالم، استباحوا المدينة ثلاثة أيام يقتلون وينهبون فيها. كما سيطروا على بيت المال، ينفقونه على شعرائهم وسهراتهم ومؤيديهم، لذا يقول الجاحظ، المعتزلي: «وما كان عام جماعة، بل عام فرقة وقهر وجبرية وغلبة، والعام الذي تحولت فيه الإمامة ملكًا كسرويًّا، والخلافة غصبًا قيصريًّا»([4]). هنا لم يتفرغ المعتزلة للمناظرات والتعقيدات الفلسفية فحسب، بل نجدهم في ميادين الثورة يحرضون الناس على الظالمين، ويتقدمون الصفوف حين كانت تُقطع الرؤوس، وتُصلب الأبدان.

(1)

أول من ذاق ويلات الأمويين من المعتزلة هو عمرو المعصوم؛ فقد كان أستاذًا لمعاوية بن يزيد بن معاوية، وحين تُوفي أبوه، بايعه الناس، فقال لأستاذه: ماذا ترى؟ فقال: إما أن تعتدل أو تعتزل. فخرج وخطب في الناس: «إن جدي معاوية نازع الأمر من كان أولى به وأحق. ثم تقلده أبي، وقد كان غير خليق به. ولا أحب أن ألقى الله بتبعاتكم. فشأنكم وأمركم ولّوه من شئتم. ثم نزل وأغلق الباب في وجهه وتخلَّى بالعبادة حتى مات. فوثب بنو أمية على عمر المقصوص وقالوا: أنت أفسدته وعلَّمته. فدفنوه حيًّا!».([5])

(2)

يصل مُلك بني أمية ليد عادلة، عمر بن عبد العزيز، حيث أراد أن يغيِّر ما أفسده الأمويون، فدعى غيلان الدمشقي، وهو معتزلي، وقال: «أعنِّي على ما أنا فيه أعانك الله. فقال غيلان: ولّني بيع الخزائن ورد المظالم. فولاه، فكان يوزع على الناس ممتلكات بني أمية وينادي عليها: هلم على متاع الخونة، هلم إلى متاع الظلمة. حتى كان فيما نادى عليه: جوارب مصنوعة من الحرير الناعم قيمتها ثلاثون ألف درهم. فقال غيلان: هذا يأتكل والناس يموتون جوعًا!».

وسريعًا قُتل عمر بن عبد العزيز وعاد الحكم للأمويين، فقُبض على غيلان، وصلبوه وقطعوا يديه ورجليه، فظل يحرض الناس على بني أمية وهو على الصليب، فقال: «قاتلهم الله، كم من حق قد أماتوه، وكم من باطل قد أحيوه…»، فأبكى الناس، فكسر بنو أمية فكه وقطعوا لسانه، فنزف حتى مات!([6])

(3)

وفي عقر دار الأمويين، الشام، ثار الناس خلف قائد معتزلي آخر: يزيد بن الوليد، ضد ابن عمه، الوليد بن يزيد، الذي أشهر كفره ورمى المصحف، وقال له:

أتوعدني الحساب ولست أدري .. أحتا ما تقول من الحساب

فقل لله يمنعني طعامي .. وقل لله يمنعني شرابي

ومن المرات القلائل التي نجحت فيها الثورة، فقتلوا الوليد وبايعوا يزيد، وفي أول أيامه قال: «أيها الناس، إن لكم عليّ ألا أكتنز مالًا، ولا أعطيه زوجة ولا ولدًا، ولا أنقل مالًا من بلد إلى بلد، حتى أسد فقر ذلك البلد، وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضلت فضلة نقلته للبلد الذي يليه مما هو أحوج إليه. ولا أحمل على أهل جزيتكم ما أجليهم به عن بلادهم وينقطع نسلهم. فإن أنا وفَّيت لكم بهذا، فعليكم السمع والطاعة، وحسن المؤاذرة والمكاتفة، وإن لم أوف به، فلكم أن تخلعوني، إلا أن تستثيبوني، فإن تبت قبلتم مني، وإن رأيتم أحدًا أو عرفتموه بالفضل والصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيتكم فأردتم أن تبايعوه، فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته».([7])

لأول مرة يتمكن المعتزلة من الوصول للحكم لنختبر عدلهم، فنجد زعيمهم قيل إن عدله يضاهي عدل عمر بن عبد العزيز، بل اعتبره البعض أفضل من عمر بن عبد العزيز لأنه وصل للحكم باختيار الناس، أما عمر فقد وصل بالوراثة! ولأول مرة منذ عهد الخلافة الراشدة يختار الناس إمامهم بكامل حريتهم. كما نجده يحرِّض الناس من أول يوم أن يعزلوه إن حاد عن الحق، وهو قول لم نسمعه منذ الخلفاء الراشدين. لكن تُوفي يزيد بعد خمسة أشهر فقط من ولايته. عندها وثب الأمويون للعرش، ونبشوا قبره وأخرجوا جثمانه لصلبه، وقتلوا أتباعه!

(4)

نقف الآن عند محطة أخرى من كفاح المعتزلة: حين آلت شمس الدولة الأموية للزوال، أعدَّ المعتزلة الترتيبات لانتقال الحكم الوراثي إلى الشورى، وبايعوا محمد بن عبد الله بن الحسن، المعروف بالنفس الزكية، إلا أن جماعة ممن شاركوا في الثورة وبايعوا النفس الزكية قد خانوا وطمعوا في الحكم، وولوا أبا جعفر المنصور، فاعتبر المعتزلة ذلك اغتصابًا للسلطة، فرفضوا حكمه.

وهنا ظل النفس الزكية مختبأ مطاردًا، حتى سقط ابنه من على جبل أثناء إحدى المطاردات! وقبض المنصور على أهل النفس الزكية، وحبسهم في سرداب لا يدخله شمس، وكانوا يقضون حوائجهم في مكانهم، فاشتدت الروائح الكريهة والأمراض حتى قتلت بعضهم، وأمر المنصور ألا تُخرج الجثة من السرداب، فمات آخرون من رائحة الجيفة!

هنا أُضطر النفس الزكية للتعجيل من الثورة، لكن سريعًا حاصره المنصور وقضى عليه وعلى أتباعه، ليموت النفس الزكية بعد أن قتل سبعين جنديًا، وبعدها قطعوا رأسه وصلبوا جثته مع جثث أتباعه ثلاثة أيام حتى تأذى الناس من رائحة الجثث فأنزلوهم! ([8])

ها هم يا سادة رجال المعتزلة، فئة آمنوا بربهم، وناصروا الحق، وتبنوا العدل، ماتوا ليحيا غيرهم، هربوا ليسكن أهلهم، عاشوا بين المطاردة والتهديد والحبس والقتل والصلب، بنوا بجسدهم محراب العدل، ورسموا بدمائهم اتجاه القبلة، حتى لا يقع منكر، ولا يتمكن ظالم.

وبذلك اطّلعنا على نموذج فريد لمدرسة من مدارس المسلمين، ثابت في المناظرات وصامد في الثورات، يحمل قلمًا وسيفًا، والأهم أنه يعرف متى يستخدم كلًّا منهما.

للإطلاع على فلسفة المعتزلة في فهم الإسلام:  الإسلام.. كما عرفه المعتزلة


[1]. (الإسلام وفلسفة الحكم) ص270، ص434

[2]. (الإسلام وفلسفة الحكم) ص٤٧٢

[3]. (مسلمون ثوار) ص170

[4]. (الإسلام وفلسفة الحكم) ص510 عن (رسائل الجاحظ) ج2 ص7-11، 14-16، 189

[5]. (تاريخ مختصر الدول) ص١٩٠

[6]. (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة) ص231

[7]. (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة) ص115

[8]. (تاريخ الطبري) ص1525

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد