إن الحديث عن المذهب الاعتزالي في هذا المقال يأتي  في إطار البحث في التراث اﻹسلامي، عن نقاط مضيئة تمكن العقل والثقافة الإسلامية من الخروج من حالة الجمود والدوائر واﻷسيجة المغلقة التي وصلت إليها، وذلك في محاولة ﻹعطاء العقل سلطته المشروعة التاريخية التي تمكن من إحياء الفكر الإسلامي العقلاني تحقيقًا لنهضة اﻷمة وتقدمها، والتي تعيش تخلفًا وتحجرًا وجمودًا فكريًا أثر في بنيوية النظام الفلسفي والفكري والثقافي والفقهي في منظومة العقل العربي والإسلامي والذي حشر في زاوية التقليد والاجترار النصي، فالقرآن الكريم يدعو من خلال قراءته (قراءة متدبرة ومتأنية) أكثر من 700 مرة إلى استعمال المجهود الشخصي المسؤول والاجتهاد في سبيل الفهم.

فالوعي بالنص الديني لم يكتمل بعد، ولم يخرج حتى الآن من الرؤية العبثية لقوانين الحضارة والفكر الإنساني مادة وروحًا، وتفشي اليقين المستهجن في التمسك بالنقل، وعدم قبول البعث الواقعي الجديد بالنص، والفكاك من قبضة التاريخ المثالي، بل  هنالك دومًا تفسير آخر للنص عند المعتزلة، وهذه حقيقة تتجاهلها دائرة الفقه نفسها، فرغم تفرع التفاسير وتشعبها لتنتج مدارس منشأها عقل المفسر نفسه الذي أغلق الباب وراءه، وأغلق باب الاجتهاد في النص، ويقوم بحراسة الوعي النقلي، ولا يسمح بالتجديد، ولا بإضاءة المعتم من الأشكال المعرفية، ليكون نهاية عصر التفسير إعلانًا لنهاية العقل نفسه، فتفسير النص، بل حتى النص ذاته في أحايين كثيرة لا يساوي المقصد؛ لأن الفهم مرتبط دومًا بالمسار الذي اتخذه المفسر للوصول للغائية الغائبة عند من أوجد النص بالدرجة الأولى.

فالمعتزلة كفرقة كلامية تبنوا رؤية عميقة وموضوعية وعقلانية، وأوجدوا العلاقة بين الخطاب القرآني والخطاب الإنساني، في ظل ظروف تاريخية صعبة شاعت بها سلطة النص وهيمنته،ففسروا النقل على أساس العقل، وأنجزوا بذلك (عقلنة النص) هذه المهمة التي أنجزها مؤسس المعتزلة واصل ابن عطاء، كان على أوروبا أن تنتظر حتى القرن الثامن عشر لتحقيقها، وواصل ابن عطاء هو أول من سن أول قانون في الاجتهاد وهو قانون الفكر، قبل ورود السمع والمقصود بالسمع هو النص القرآني، أو نص الحديث، وتشكلت بذلك منظومة متكاملة من العقائد والأفكار، وفي مقدمتها الأصول الخمسة: التوحيد، والعدل، والمنزلة بين المنزلتين، والوعد والوعيد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذه هي أصول المعتزلة الخمسة التي اتفقوا عليها، وهناك عقائد أخرى للمعتزلة منها ما هو محل اتفاق بينهم، ومنها ما اختلفوا فيه منها:

نفيهم رؤية الله عزوجل حيث أجمعت المعتزلة على أن الله سبحانه لا يرى باﻷبصار لا في الدنيا ولا الآخرة، قالوا لأن في إثبات الرؤية إثبات الجهة لله سبحانه وهو منزه عن الجهة والمكان وتألوا قوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة. أي منتظرة.

قولهم بأن القرآن مخلوق وقالوا إن الله كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة.

نفيهم علو الله سبحانه وتأولوا  الاستواء في قوله تعالى: (الرحمن على العرش استوى) بالاستيلاء.

نفيهم شفاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – ﻷهل الكبائر من أمته.

نفيهم لكرامات الأولياء، وقالوا لو ثبتت كرامات الأولياء ﻻشتبه الولي بالنبي.

فهذه المدرسة الكلامية العقلانية تعترف بأن الله خلق الكون، لكنها تعود وتقصر فعله على عملية الخلق فقط، وتنفي عنه أي تدخل لاحق في العالم، بالرغم من أن هذه النظرية فيها من الإشكاليات والثغرات ما يتعارض مع النص القرآني لذلك نجد الأشعرية التي تنتمي إليه معظم المذاهب اﻹسلامية والتي جاءت من رحم المعتزلة على يد أبي الحسن اﻷشعري الذي انشق عن أستاذه الجبائي في مسجد البصرة، وأسس مذهب الأشاعرة، والتي أوجدت خيط رفيع بين النص والعقل ووازنت بينهم بمقياس فلسفي قرآني نبوي لذلك نجدها أقرب الفرق قلبًا وقالبًا إلى الفكر الاعتزالي، خاصة وأن مؤسس المذهب الأشعري، كان في بداياته معتزليًا وتشرب من فكرها وأساليبها الحجاجية الكلامية، قبل أن يؤسس لمدرسة كلامية، أضحت اليوم هي المهيمنة على الفكر العقدي لعموم المسلمين. بالرغم من شللها وجمودها حاليًا لاعتبارات الوضع السياسي الذي أثر على وضعية المنظومة الفكرية والفقهية لهذه المدرسة العريقة.

والإنسان في عرف المعتزلة حر التفكير والإرادة؛ لأنه يملك حرية وعقلًا يمكنانه من إدراك اﻷدلة وتحصيل المعاني، وقالوا إن الله خلق الإنسان وزوده بمقدرة الفعل والاستطاعة، وبناء على ذلك فالإنسان يتصرف بهذه المقدرة للقيام بأفعاله، سواء كانت خيرًا أو شرًا، وللتدليل على ضرورة التوفيق بين عملية الخلق، ثم الفعل الكامل بين الله والكون، ففلسفتهم كانت موجهة في أصلها لأجل تقرير علاقة جدلية بين الفعل الوجودي واﻷمر الإلهي.

إن الفكر ااعتزالي نشأ في ظرفية تاريخية تلاقحت فيها جميع الرؤى والثقافات وتداخلت فيها عوامل ومسببات سياسية وكان هاجسه الدفاع عن عقائد الملة تجاه من كانوا يهددون كيانه في الداخل والخارج ومن الواقع السياسي الذي عاشته الدولة الإسلامية مرورًا بمقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى زمن حكم الأمويين، الذين أحدثوا شرخًا في الوعي الفكري للأمة ما زلنا نعاني تبعياته السياسية إلى يومنا هذا، ونشأ فكر المعتزلة متورطًا في شواغل عصره حد النخاع؛ فتفاعل معها وبتفاعلها مع الواقع تطورت ملامح مقولات المعتزلة وتفرعت وتنوعت، وأسهمت في صياغة نظرية نقدية متكاملة، نجد أثرها وأدواتها في علم الكلام وعلم أصول الفقه والنحو وفقه اللغة، وغيرها من المباحث المعرفية الخصبة؛ لأن النظرية النقدية لفلسفة المعتزلة ترفض التقليد، وهي تدعو إلى الخروج بلغة قراءة جديدة وعميقة تحدد الأطراف  المعرفية في إقامة عقلانية مستنيرة لمواجهة فرضية النقل التقليدية، وهذه القضية شغلت العقلية العربية والإسلامية والفلسفية منذ سابق العهد، ففي قلب التاريخ الإسلامي، وبالذات في مرحلة الإيمان، جعلت من الإنسان محور القيمة العالمية باعتباره مكلفًا بعمارة الأرض، وهي قيمة كونية، ولقد أشار الله سبحانه ذلك في عدة مواضع قرآنية.

إن فكر الاعتزال هو بحد ذاته ثورة فكرية وفقهية حركت المياه الراكدة في الأنساق الدينية والفلسفية الأخرى، فتأثير المعتزلة لم يقتصر فقط على الفرق الإسلامية بمختلف تلاوينها ومشاربها، بل تجاوز ذلك ليصل إلى اللاهوت المسيحي، وبينت الدراسات المعاصرة تجليات التأثير الكلامي الاعتزالي الإسلامي في علم الكلام اليهودي، بل تجاوز ذلك حتى إلى ديانات وفلسفات الشرق الأدنى من طاوية وبوذية وهندوسية.

إن الحاجة إلى إحياء فكر الاعتزال يندرج تحت إحياء المسلك العقلي في الفكر الإسلامي والذي يعرف انكفاءً معرفيًا على مستوى الخطاب والأدوات، خاصة مع بروز تيارات الحادية وجدت صداها وموقع قدم لها في النسيج الفكري الإسلامي، وفكر المعتزلة هو الأقدر على مجابهة هذا التيار بأدواته وفلسفته القوية وحجته المنطقية، إضافة لما يمتلكه من جرأة وعقلانية في فهم الإيمان من منظور عقلي يتناسب مع واقع العصر، وبالتقريب بين الدولة والدنيا، ودور المجتمع في إدارة البلاد وحكمها، وأن الدين لله، ولا يمكن فرضه باﻹجبار أو الإكراه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

آراء, عقائد, فلسفة

المصادر

كتاب نقد العقل العربي محمد عابد الجابري
كتاب اسلام بلا مذاهب مصطفى الشكعة
صدى المعتزلة في الفكر الاسلامي بين الماضي والحاضر كتاب صادر عن مؤسسة مؤمنون بلا حدود
عرض التعليقات
تحميل المزيد