1
مدير المخابرات السابق اللواء مراد موافي، الذي تم اختياره رئيسًا للجهاز في أوج أوقات غرق نظام مبارك – الذي سقط فعليًّا بعد توليه المنصب بعشرة أيام فقط – كان على موعد مع الشهادة في قضية اتهام رئيس نظامه السابق في قتل متظاهري ثورة يناير الأسبوع الماضي، ويبدو أن موافي لم يدخر جهدًا ليرسل رصاصاته الطائشة في جسد الثورة، المجهز عليها من الأصل، والتي قامت ضده، وضد نظامه القديم.

 

2
بحسب صحيفة المصري اليوم، فإن موافي تحدث في شهادته عن تجنيد بعض العناصر للتظاهر من قبل “بعض الدول الأجنبية” التي تسعى لتغيير خارطة المنطقة، واتهم بصورة مباشرة حركة شباب 6 إبريل وكفاية لتلقيهم تدريبات لإحداث اضطرابات داخل البلاد.

 

بالطبع لم يذكر السيد اللواء ما هي تلك الدول التي تسعى لخراب البلاد. ربما كان من الأجدر به الحديث بالتصريح عن الولايات المتحدة وإسرائيل بدل هذا التلميح البائس، الذي ربما يجرنا للحديث عن التنسيق الواضح بين جهازه وأجهزة هذه الدول، ومتانة العلاقات الاستراتيجية والسياسية بين نظامه القديم وبين تلك الدول، التي – يا للمصادفة – تعتبر متهمة بالمعلومات والأدلة القوية بزعزعة استقرار بلاده حسب زعمه!

 

لم يذكر أيضًا ما الذي فعله مع هؤلاء المتهمين بالأدلة الدامغة في التدرب وتلقي تمويل خارجي من حركة شباب 6 إبريل؟ ولِم لمْ نر قضية تمويل واحدة بالمحاكم ضدهم؟ اللهم إلا قضية التمويل التي أفرج عن متهميها من الأمريكيين، وتم تهريبهم خارج مصر في عهد سيادته! وأي موافي نصدق إذن؟ رئيس المخابرات الذي بُرِّأت الحركة في عهده من تهمة التمويل بعد صدور تقرير لتقصي الحقائق أيام المجلس العسكري؟ أم رئيس المخابرات الذي شهد اليوم باتهام الحركة نفس الاتهام؟ أي موافي نصدق؟

 

3
“س: تم القبض على السيدة وأرشدت عن بعض المتهمين ومواطن قطري يحملون أسلحة نارية ومقذوفات وذخيرة، وتم القبض عليهم بميدان التحرير؟
ج: يسأل فيها رئيس هيئة الأمن القومي.
س: ما معلوماتك عما أثير بالأوراق بعد القبض على سبعة من الفرنسيين في شقة مطلة على ميدان التحرير، ومعهم أسلحة نارية وخرطوش وذخيرة وملابس عسكرية خاصة بالأمن المركزي، وقد سلمهم أمن الدولة للشرطة العسكرية؟
ج: أنا لم يكن لدى معلومات عن ذلك.
س: ما معلوماتك عن إثبات هذه المعلومة بدفاتر مديرية أمن القاهرة؟
ج: في هذا الوقت القوات المسلحة كانت تقوم بالتأمين، ومعها الشرطة العسكرية.
س: ما قولك في شهادة اللواء محمود وجدي في ذلك؟
ج: أنا لم تكن عندي فكرة عنها.
س: ما تعليقك لما طالعته النيابة العامة من دفتر شرطة النجدة في يومي 2 و3 من شهر فبراير 2011 من ضبط 5 فلسطينيين في مركز شباب روض الفرج وتسليمهم للقوات المسلحة؟
ج: ليس لدي فكرة عن ذلك الأمر.
س: ما تعليقك عما ورد بوجود اتصال تليفوني بين العقيد سيد حجاب، مدير الطرق، يفيد بوجود ألماني وأسترالي وجنسيات أخرى في ذات الزمان لإدارة المظاهرات؟
ج: يسأل في ذلك الأمن القومي”.

 

لم يكن ذلك جزءًا من مسرحية “شاهد مشافش حاجة” الشهيرة، ولكن جزء من شهادة السيد اللواء مراد موافي أثناء محاكمة مبارك في قضية قتل المتظاهرين، بعد حديثه بحماس عن “عناصر أجنبية” مدسوسة في الميدان لإحداث اضطرابات ممنهجة ضد السلطة. هناك معلومات عن “التدخل الأجنبي” لكن أين هي تلك المعلومات يا سيادة اللواء؟ لا أعرف. فقط هناك معلومات، وهذا كل ما في الأمر!

 

الحق أنه لا معلومات واضحة من الأساس بجعبة الرجل، وهذا بؤس بيِّن ليس غريبًا على مدير مخابرات اعترف علانيةً بمعرفته التفاصيل الدقيقة لمذبحة جنود أبرياء في رفح 2012 قبل تنفيذها، ولكنه تجاهل الأمر كله، لأنه “لم يكن يتوقع أن يقتل مسلم أخاه المسلم وقت الإفطار”!

 

هكذا إذن سنترحم على أيام “أدهم صبري”!

 

4
“قام بعض الأصدقاء القدامى بترتيب اجتماع مع اللواء مراد موافي، وحضره كذلك اللواء رأفت شحاتة، وسألته: هل أنا خاين وعميل وباخد تمويل؟، وهل في أي سفرية لي قمت بشيء يضر بأمن مصر كما يقولون؟

 

فأجاب موافي: مين اللى قال كده؟، فرددت أنه يقال إن المخابرات العامة هي المسئولة عن الحرب الإعلامية ضدي وضد ٦ أبريل، ضحك وقال: بالطبع لا، إحنا مش بنعمل إشاعات وأنا عارف كل تفاصيل سفرياتك والمحاضرات اللي بتقولها في الجامعات والمؤتمرات اللي بتحضرها، وتقريبًا حد هو اللى عايز يعملك قضية، لكن لما المجلس العسكري طلب معلومات عنك اديتلهم كل المعلومات وقلت إن أحمد ماهر آه بيسافر لكن مفيش تمويل ولا شبهات كما يقال”.

 

أحمد ماهر في رسالة من داخل محبسه بسجن طره في مايو 2014.

 

5
جاء أيضًا في شهادة اللواء موافي اتهامًا صريحًا للدكتور محمد البرادعي بأنه يحمل “أجندات أجنبية” في معرض حديثه عن مساهمة البرادعي في ثورة يناير، كما جاء اتهامه أيضًا للإخوان بالتنسيق مع حماس خلال الثورة، بحسب ما ورد بالصحيفة، ليؤكد الصورة الذهنية القائلة بـ “مؤامرة يناير”.

 

المتابع لهذا الحديث بتلك النبرة يذكر نفس الأسلوب البائس الذي استخدمه إعلام مبارك في حربه على الثورة. ذلك ما يؤكد أن مشكلة موافي هنا ليست مع البرادعي، ولا الإخوان، ولا 6 إبريل، وإنما مع الثورة ذاتها، بحجمها ومفاجأتها وتفاصيلها ومطالبها.

 

ربما نسي موافي في ظلِّ حماسة تصفية الحسابات تلك، أن البرادعي الذي يحمل ضدَّه كل تلك المعلومات، قد وصل لمنصب نائب رئيس الجمهورية تحت سمع وبصر جهازه في سلام. بل وأكثر من هذا أن جماعة “الإخوان المسلمين” المتورطة – حسب زعمه – في عمليات زعزعة للاستقرار وقت الثورة، بمساعدة عناصر خارجية، قد ترشح أحد أقطابها لأعلى مناصب الدولة دون أدنى مشكلة وقت رئاسته للجهاز. لم يترشح وفقط، بل وفاز بالمنصب، وكان يأتمر بأوامره يومًا ما دون نقاش!
(موافي الجديد يحب يقول إيه لموافي القديم؟)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد