بعد عام وثلاثة عقود من الزمن، لم أكن أنو قط أن أسرد جوانب هامة من قصتي مع صاحبة الجلالة، فعلى قصر عمرها إلا أنها حبلى بالحوادث المؤلمة والقاسية التي ظلت قاعدة أمامي عائقًا وأقف أمامها ساعيًا للتجاوز. صحافي أنا اليوم وأستاذ للصحافة بالجامعة، صحيح أنها مسؤولية كبيرة ملقاة على عاتقي، لكنها في الجانب الآخر تضمر ذلك الحلم الذي ولد من رحم التضحيات، وأي تضحيات عندما تكون فقدت فيها أعز ما تملك، ذلك البعد الثالث لشخصي الذي أمقت الكتابة والحديث عنه.

بعد نجاحي في تجاوز عقبة البكالوريا ترددت قليلًا لكني قررت أخيرًا قرارًا قاطعًا لا رجعة فيه أن أسير على بساط صاحبة الجلالة، فاخترت عن قناعة دراسة الصحافة، وكانت وجهتي آنذاك كلية الإعلام بجامعة باجي مختار بعنّابة، تعلمت في مدرجاتها خلال أربع سنوات أبجديات مهنة المتاعب بحب وشغف ومثابرة، لا سيما بعد أن تخصصت في الإذاعة والتلفزيون، ذلك المجال الذي ظل يستهويني منذ نعومة أظفاري، فتخرجت من تلك الكلية بعد أن قدمت دراسة حول معالجة صحيفة «الشروق» للمشاركة الجزائرية في بطولة كأس أمم أفريقيا بأنجولا، وكان موضوعًا شيقًا تزامن حينها مع «أم المعارك» الكروية بين الجزائر ومصر.

تحصلت على الليسانس، ولم يهدأ لي بال؛ لأن الحلم الأصغر فقط تحقق، ولا يزال أمام الحلم الأكبر معارك ضارية، فبعد أشهر معدودات من البطالة كأي طالب جزائري متحصل على شهادة فاقد لوظيفة، اخترت بمحض إرادتي الاشتغال نادلًا في مطعم ببضعة دنانير، لا تغني ولا تسمن من جوع، تعلمت خلال تلك التجربة على قصر عمرها أن الدراسة النظرية لفنيات التحرير والتقديم التلفزيوني لا تعني بالضرورة أنها ستقودك عمليًا لتصبح مقدمًا للأخبار في التلفزيون، بل قد تجد نفسك نادلًا في مطعم تقدم أطباق الحمص والجلبان!

بعد 30 يومًا أو 40 قضيتها بين أسوار مطعم ضيق المساحة، غزير العمل والزبائن، أشتغل فيه من السابعة صباحًا إلى منتصف الليل، أقابل سيده ذا الرأس الأصلع والوجه الشاحب، الجامع للمال المستعبد للعمال، قرّرت أن أضع حدًا لهذه التجربة، وأباشر بعدها دراساتي العليا بجامعة الجزائر، مواصلًا في نفس المسار – الإذاعة والتلفزيون – في تجربة جديدة وتحد آخر امتد لسنتين. طوال عامين، تعرفت خلالهما على زملاء وأساتذة جدد، تقاسمنا خلالهما كل ما لذ وطاب من علوم الإعلام، وأنهيت العامين بدراسة «سوسيو – مهنية» للصحافيين الرياضيين في القنوات الثلاث للإذاعة الوطنية، تساءلت خلال الدراسة بقصد عن هوية الصحافيين الرياضيين، وبغير قصد عن هوية الحلم الذي يراودني.

انتهت تجربة العامين هذه، تحصلت على شهادة أخرى، تعرفت على هوية الحلم باللغات الثلاث (العربية، والفرنسية، والأمازيغية)، لكنه لم يتحقق بعد، واكتشفت مرة أخرى كما اكتشف الكثير من أقراني أن الحلم في الجزائر لا يتجسد بالشهادة العليا، بل بالعلاقات العليا، بالرغم من ذلك كان العامان وافرين، فبالموازاة مع الدراسة بالجامعة حرصت على إجراء دورات وتربصات تكوينية وتدريبية في الصحافة المكتوبة والإذاعة والتقديم التلفزيوني وفي اللغات وبرمجيات الحاسب والإنفوجرافيا، بعد كل هذا قررت رفع دعوى قضائية على نفسي الأمّارة بولوج عالم الصحافة وجرجرتها للمحاكم وإجبارها على تعويضات عن الجهد الذي بدلته والتشرد الذي لحق بي جرّاء الطواف حول حلم وهمي من ولاية لأخرى لينتهي بي المطاف أخيرًا في عالم البطالة.

بالرغم من ذلك لم تتوقف رحلتي مع دراسة الصحافة، بعد أن قررت مواصلة التحضير للحصول على شهادة دكتوراه في علوم الإعلام، وكنت على دراية بصعوبة المأمورية وبالضرائب الواجب دفعها في مساري لبلوغ الهدف، فشاءت الأقدار أن أدفع ضريبة لا تقدر بثمن في السنة الأولى بعد أن فقدت أعز ما أملك، والدتي رحمها الله، وقد وصلني خبر فقدانها بعيدًا عن المنزل، وكنت حينها في الإقامة الجامعية، في اليوم الذي كنت أستعد فيه لعرض المشروع الأولي لأطروحة الدكتوراه.

في العام الموالي وبالموازاة مع الدراسة، تجسد الحلم الذي كنت أصبو إليه، التحقت بقناة «الأطلس» صحافيًّا مبتدئًا طموحًا، وكنت أشتغل حينها على إنجاز التقارير بالقناة، وكانت تجربة مميزة لكنها قصيرة ولم تعمر طويلًا، بعد أن تم غلق القناة بسبب خطها المعارض للنظام الحاكم وقتها، نظام بوتفليقة.

بعدها بفترة وجيزة التحقت بقناة «دزاير نيوز»، وهي القناة التي اشتغلت فيها بالقسم الرياضي على إنجاز التغطيات الميدانية، وتحرير الأخبار والتقارير، وتقديم المواعيد الإخبارية الرياضية على اختلاف أصنافها، وهنا أذكر ذلك اليوم الذي ظهرت فيه أول مرة على شاشة التلفزيون، ذلك اليوم الذي ارتديت فيه للمرة الأولى «كوستيم» (بدلة رسمية) على مضض لأني لا أطيق بتاتًا اللباس الرسمي منذ صغري، وقابلت فيه المشاهدين وطرقت فيه أبواب العديد من البيوت، وقد غمرتني سعادة لا توصف بعد أن صفق لي تصفيقًا حارًا جميع الزملاء الذين كانوا بقاعة التحرير فور انتهائي من تقديم الموجز الرياضي الأول، وحظيت بعدها بالثقة التي هي أساس من أسس العمل الإعلامي، والسند الذي يتكئ عليه الصحافي أثناء ممارسة مهامه.

في العام الموالي تحقق حلم آخر بعد أن شرعت في التدريس بكلية الإعلام بجامعة الجزائر، وما أثقل حقيبة الأستاذ الجامعي، فهي مسؤولية وكفاءة وأخلاق وتواضع وجهد جهيد، ولأن الحب والشغف للمهنة وحدهما يكفيان لمجابهة كل الصعاب وتحمل كل المسؤوليات مهما كان وزنها، واصلت سفري الشيق المتعب في عالم صاحبة الجلالة، إلى أن وقع مرة أخرى القطار الذي يقل ذلك الحلم، في حادث سير آخر، كان ذلك بعد عامين، عندما فقدت مرة أخرى والدي رحمه الله، وقد بلغني ذلك الخبر بقاعة التحرير.

في هذه الحياة لم يبق شيء أملكه، لم يبق شيء أخسره، فقط وجب أن أمضي نحو الأمام مثل روبوت لا يملك مشاعر، يقوم فقط بما يجب إلى حين انتهاء صلاحيته، فيرحل.

حجم الألم لا يمكن تصوره، بالرغم من ذلك شدّتْ يدي بحبل الله وأكملتُ الرحلة رافعًا راية التحدي، وعقب عام أنهيت أطروحة الدكتوراه بعد أن قدّمت دراسة «سوسيو – مهنية» للصحافيين العاملين بقسم الأخبار في القنوات الإذاعية المحلية الجزائرية بـ48 ولاية، تحت إشراف البروفيسور رضوان بوجمعة، الأستاذ الذي يستحق الكثير من الاحترام والتقدير، ونلت تقديرًا مشرفًّا جدًا بعد المناقشة، فتحقق حلم آخر، لكن بعد ماذا؟ بعد تضحيات جسام وضرائب لا تقدر بثمن.

كتبت هذه الأسطر على مضض، هذه جوانب من حياتي على بساطتها وجب توثيقها، فقد بدأ الحلم عندما سألني معلم الابتدائي ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ وأجبت حينها بعفوية: صحافي، ولم أكن أعلم أن ذلك الحلم سيكبر معي وسيتحقق، ما أومن به اليوم وغدًا أنه لن يسير المرؤ على درب النجاح دون حمل سلاح الإرادة والتركيز على الهدف والعمل المتواصل والإيمان بالله وبقدراته.

اليوم وقد أكملت عهدتي الخامسة في سدة الإعلام لا زلت أسعى للتمديد، لازال بوتفليقة الذي بداخلي يملي علي أوامر الاستمرارية من أجل مواصلة مسيرة بناء الذات التي أبحث عنها، تلبية لطموحاتي العزيزة، ولن يرغمني الحراك المندد برداءة الإعلام ولا الأيادي الخارجية على الاستقالة، فأنا مع التمديد لطموحاتي، وأثمن العمل الذي يقوم به قائد قوات التفوق الذي بداخلي بمواصلة اعتقال لصوص الأمل واقتيادهم للمحاسبة على جرائمهم المقترفة في حق النجاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد