“يحيا ميكي ماوس“..  والت ديزني مخترع الشخصية السابقة وهو على فراش الموت

عندما يأتي إلىّ صديق متحمس ليبدأ مشواره في القراءة ليسألني أن أرُشح له كتابـًا أفاجئه بردٍ صادم قد يجعله لا يتحدث معي مرة أخرى في هذا الموضوع، أقول له بكل تلقائية وثقة: “تبدأ في قراءة مجلة ميكي طبعـًا”. يزدري لعابه ثم يسألني مجددًا: “انتي بتهزري، صح؟ رشحيلي كتاب”.

الحقيقة أن سؤال ترشيح كتاب هو من أصعب الأسئلة التي يمكن أن أواجهها في حياتي؛ لا تغتر بكمية الكتب التي قرأتها – عزيزي السائل- فأنا يمكن أن- بل بالفعل- أكون ثرثارة حين يتعلق الأمر بالكتب ولكن حينما يواجهني سؤال الترشيح ينعقد لساني وتتوقف الإشارات العصبية عن العمل ويصبح ذهني فارغـًا.

لك أن تتخيل عزيزي قارئ المقال، أحدهم يقترح عليك أن تشتري له قميصـًا يعجبه وإن أخطأت في اختيار القميص فسيحكم على ذوقك بالسيء، إذًا عليك أن تحاول تخمين مقاسه ولونه المفضل وقّصته المفضلة وقماشه المفضل، وهل يحب المشجّر أم المقلّم أم السادة، وهل يحب الجيب أم يفضله بلا جيوب؟!

كل هذه الأسئلة قد تجعلك تفكر في مدى سوء سؤال الترشيح لقارئ متمرس، فما بالك بالترشيح لقارئ مبتدئ؟!

في عصرنا الحالي، صارت القراءة “موضة” قديمة وأعداد القُرّاء “الحقيقيين” في انحدار وكسب قارئ جديد في عالم الكتب هي مغامرة حقيقية تستحق وسام الأبطال عليها. الهواتف الذكية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الحصول على المعلومة أسهل وأسرع ولكنها أنتجت نوعـًا من القُرّاء “الافتراضيين”؛ بمعنى أن معلوماتهم لا تُبنى في معظم الأحيان على ثقافة ووعي حقيقيين وإنما مجموعة من المقالات المتناثرة هنا وهناك وعدد من الهاشتاجات التي ما أن تضغط عليها تنقلك إلى مجموعة من التويتات التي تشرح لك القضية التي يتحدث عنها الجميع.

وهكذا ازدادت نسبة وعي معظم الناس بالقضايا المطروحة، ولكنه وعي محدود بحدود القضية وظروفها المعلنة بدون النظر إلى جذورها المتأصلة ويصبح تكوين الرأي عنها مؤقتًا ومحدودًا أيضـًا. ولأن حل هذه المشكلة يكمن في العودة إلى الكتاب والعودة إلى مصادر الثقافة الأصلية لا السريعة.

ولكن ما علاقة كلامي هذا بسؤال صديقي أن أرشح له كتابـًا ليبدأ رحلته في عالم القراءة الشيّق؟!

أؤمن بأن عقبات عدم حب القراءة تبدأ من الصغر في المدرسة، حيث زرعوا بداخلنا أن المذاكرة عذاب والدروس المدرسية المكتوبة بلغة إرشادية توجيهية واضحة ملل لا ينتهي وبالتالي نما بداخل كل طفل فينا أن القراءة فعل ممل وأغلب الظن أنه عقاب. وكبرنا وكبر معنا هذا الإحساس، وهناك من تغلب عليه بالطبع وهم قلة أصبحوا يُسمون بين زملائهم في المدرسة بـ”دودة القراية”.

أتذكرني طالبة في المدرسة في الحصص الفارغة من الدرس أُخرج إحدى الروايات المصرية للجيب وأقرأ بينما تلهو زميلاتي وتملأن الفصل ضوضاءً حتى يأتي مشرف الدور ليصرخ فينا أن نصمت. كانت هذه إحدى أسوأ اللحظات في حياتي؛ لأنه عادة يُعاقبنا بأن يَدخل لنا معلمٌ آخر يُعطي الدرس وهكذا تنتهي فقرة استمتاعي بالقراءة بسبب شغب الزميلات!

حينما رشّحتُ لصديقي مجلة “ميكي” كنت أساعده أن يخطُ أولى خطواته في عالم القراءة بحُب.. أن يُدرك أن القراءة ممتعة وأن يندم على عدم حبه السابق للقراءة التي تجلب له كل هذا الضحك وكل ذلك المرح ماحيةً الذكريات المؤلمة للقراءة في المدرسة.

وقد يتجاهل الصديق نصيحتي – حدثت عدّة مرات- ويختار كتابـًا ضخمـًا باسم عميق يدل على محتواه الفلسفي الدسم معتبرًا أنه هكذا سيصبح قارئـًا جدّيـًا مـُخلصـًا يمتلك من العلم الكثير بقراءته لكتابٍ واحد متأثرًا بعصر الوجبات الجاهزة الذي يعيشه وقد يقضي الصيف كله في قراءة هذا الكتاب، وربما لا ينتهي منه مطلقـًا وربما انتهى منه راغبـًا عن القراءة مرة أخرى أو مبتعدًا عنها فترة كافية حتى ينسى مصارعته لإنهاء الكتاب.

ويخرج مرة أخرى باستنتاج أن القراءة فعل ممل وعقاب وأن الجلوس على القهوة أو الثرثرة مع الأصدقاء عبر الإنترنت أكثر متعة وفائدة له!

لذا عزيزي المبتدئ، لا تحتقر – من فضلك- نصيحتي بقراءة مجلة ميكي والكتب الخفيفة (مثل كتب عُمر طاهر الساخرة أو روايات مصرية للجيب مثلًا) في بداية مشوارك، قد لا تُصبح فيلسوفـًا بين ليلة وضحاها كما تتمنى ولكنني أؤكد لك أنك سوف تستمتع كثيرًا في عالم القراءة، وستشعر بالتغيير بمرور الوقت وبدون أن تشعر سترى أنك أصبحت أكثر عمـقـًا – ربما حتى- أكثر من الكتاب الكبير ذي الاسم العميق الذي كنت تود البدء به.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد