منذ صغري لم أكن كباقي الفتيات اللاتي يحلمن بفكرة الأمومة، ولم تكن غريزة الأمومة بداخلي منذ طفولتي، فكما يقال تولد «الأمومة» داخل كل فتاة منذ صغرها. وعندما أصبحت فتاةً بالغةً لم تتولد لدي تلك الرغبة كذلك، ولم أكن أتلهف أو أشعر بأ مشاعر عند رؤية طفل رضيع أو طفل تملأ قسمات وجهه البراءة والطفولة. وعندما نضجت أكثر لم أفكر كفتيات كثيرات فى سني أن حلم حياتي الذي يراودني أن أكون أمًا، أبدًا لم أشعر من قبل بتلك المشاعر وأبدًا لم أفكر أنني سأكون أمًا فى يوم من الأيام، لأن كلمة أم بالنسبة لي لم تكن تمثل إلا أمي – رحمها الله – بكل ما أحمله لها من مشاعر حب ووفاء، أما غير ذلك فلا!

فى بيت أبي كنت فتاةً مدللة لم أتحمل حتى مسؤولية نفسي، لكن ما الذي حدث لي عندما أصبحت واقعيًا وحرفيًا أمًا؟! فى الحقيقة أنا لا أعرف ماذا حدث لي، هل تبدلت وأصبحت إنسانة أخرى؟! هل غريزة الأمومة التي يُقال إنّها تولد داخل كل فتاة منذ صغرها ولدت عندي في اللحظة التي أفقت فيها من «البنج» أو التخدير ورأيت طفلتي الحبيبة لأول مرة؟! نعم لقد تغيرت وتبدلت وتولدت داخلي مشاعر لم أتوقع يومًا من الأيام أن أشعر بها، كيف أمكن لهذه الطفلة الصغيرة أن تحتل قلبي وعقلي وكياني بهذا الشكل الكامل؟! كيف أمكن لها أن تستبدلني بإنسانة جديدة تماما وكأنني ولدت معها من جديد؟!

عندما أصبحت أمًا ولدت داخلي مشاعر كثيرة كنت أسمع عنها فقط، فحينما تصبحين أمًا ستكونين أنتِ وطفلك شيئًا واحدًا، تحبينه هو، تفكرين فيه وليس في ذاتك، تحلمين أحلامًا جديدة خاصه به وليست خاصة بكِ؛ وإن كانت أحلامك له فى حد ذاتها أصحبت أحلامك أنت أيضًا، عندما صرت أمًا أدركت أن للسعادة معنى مختلفًا تمامًا، هو أن تشعري بسعادتك من خلال عيني شخص آخر، أن تشعري بالسعادة عندما ترين أصغر تفاصيله التي قد تكون عادية بالنسبة لأي شخص آخر في الكون قد صارت شيئًا مهمًا يجلب لك سعادة لا يمكن وصفها. فأنت تشعرين بالسعادة عندما يأكل! أو عندما يشرب! تشعرين بالسعادة عندما يلعب! عندما ينظر إليكِ. باختصار يصبح هذا الكائن الصغير فجأة هو مصدر سعادتك الأهم، وربما الحقيقي.

عندما أصحبت أمًا أدركت أنَّ إحساس الأمومة هو أغرب وأجمل وأقوى إحساس قد تشعر به امرأة فى حياتها، فأنا أتعب وأضحي وأفكر في ابنتي وأنا في قمة السعادة.

كيف تمكنت هذه الطفلة أن تمتلك خلجات قلبي بضحكتها وقسمات وجهها وحبها لي وحنانها تجاهي، الذى يشعرني أحيانا أنها هي الأم وأنا الابنة. لم أشعر يومًا بحب حقيقي مثل حبها لي، ولم أشهدف في حياتي حنانًا بريئًا خاليًا من أي مصلحة أو رياء أو نفاق مثل حنانها تجاهي.

الآن استطيع أن أقول بأعلى صوتي أنني إنسانة مهمة جدًا في حياة شخص، بل أنا الكون بأكمله بالنسبة لطفلتي، فهي تستمد سعادتها وقوتها وإحساسها بالأمان في هذا العالم الغريب من خلالي، هي تكتشف ملامح دنياها وعالمها من خلال مرآتي أنا، ترى الدنيا بعيوني وترى الناس بعيوني وتشعر بالسعادة فى أحضاني، هي حقًا تمتلكني حتى أنني أظن أنَّه لم يعد بقلبي حب يكفي لشخص آخر بالعالم سواها، فكل مشاعري ملك لها؛ لدرجة أنني أحيانا ما أغار عليها عندما تخطر لي فكرة أن أكون أمًا للمرة الثانية ولطفل آخر سواها، وأتساءل هل من الممكن أن يتسع قلبي لحب طفل آخر سواها؟! نعم، أحيانًا ما أشعر حقًا بالغيرة من هذا الشخص الجديد الذي قد يحتل حيزًا من مشاعري التي تملكها هي جميعها.

شكرًا طفلتي الجميلة؛ فلولاكِ ماكنت لأبحر فى يوم من الأيام في هذا البحر الحالم من المشاعر النبيلة والجميلة، لولا وجودك فى حياتي لكنت شخصًا بلا قيمة أو أهمية في الحياة، وجودك بجانبي يكفيني لأتحدى العالم أجمع، هو القادر على أن يجعلني أقوى إنسانة على وجه الأرض، أستطيع أن أقاوم أي شيء في الحياة في سبيل أن أرى ابتسامتك وضحكاتك وحبك للحياة.

من قال إن الإنسان يولد ويموت مرة واحدة؟! بالعكس؛ أنا أولد من جديد مع كل ضحكة لك، وأموت آلاف المرات إن تجرأت ملامح حزن أن تحتل عينيكِ دون أن تعلم أنني هنا لحمايتكِ. شكرًا لكِ لأنك علمتِني دروسًا كثيرة وجعلتِني ملكةً متوجةً على عرش قلبك الجميل. شكرًا لأنك جعلتني أكتشف تلك الغريزة الغريبة القادرة على أن تجعل ذاتي تنصهر فى ذات شخص آخر.

وإذا كان شكسبير قد أعلن يوما وقال: «لا يوجد في العالم وسادة أنعم من حضن الأم» فأنا اقول إنه ليس فى العالم حضن أرقى من حضن طفلتي، وإذا كان الشاعر محمود درويش قد قال مخاطبًا أمه: «لن أسميك امرأة سأسميك كل شيء»؛ فيا طفلتي الحبيبة، لن أسميك «ابنتي»، فاسمك هو كل شيء.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد