“أدرك أن القراءة شيء هام، لكن طفلي لا يحبها، ولا أدرى ماذا أفعل لأجعله يقرأ”، إذا كنتم ممن يرددون هذه العبارة فربما عليكم أولا: أن تجيبوا بصدق عن الأسئلة التالية: هل لديك مكتبة أو مكان مخصص للكتب فى أى من حجرت المنزل؟ هل سبق لطفلك أن رأى والديه (على الأقل أحدهما ) يقرأ بصورة منتظمة؟ هل قمت باصطحاب طفلك يوما إلى مكتبة أو معرض كتاب لشراء كتب لك أو له؟ هل حدثته يوما عن كتاب أسعدك، أو تعلمت منه شيئا، أو عن كاتب تحبه؟

 

لماذا هذه الأسئلة وغيرها؟ لأن الأساس فى التربية هو القدوة، فإذا كانت القدوة غائبة فإن الجهود تظل محدودة الأثر، الحقيقة التى كثيرا ما تحدث هى أننا نربى أنفسنا ونحن نربى أبناءنا. على كلٍّ، هذا المقال مخصص للحديث عن الأطفال، أما إذا كنت من البالغين وترغب فى تطوير علاقتك بالقراءة فيمكنك مطالعة المقالات السابقة.

 

القدوة مهمة هنا؛ لأن هدفنا هو أن ينشأ الطفل وقد اعتاد على وجود حيز للكتاب وللقراءة فى يومه، لذلك علينا أن نترك الفكرة تتسلل إليه بأقل قدر من التوجيه الصريح، لنأخذ مثالا بعيدا عن القراءة ليقرب لنا الفكرة: يدرك الطفل فى مرحلة معينة أننا نأكل عددا من الوجبات كل يوم، يدرك أن المطبخ هو المكان الذى يعد به هذا الطعام، وأن علينا الذهاب بصورة دورية لمتاجر معينة للحصول على ما نحتاج إليه من هذا الطعام.

 

كم من الوقت أمضيت مع طفلك لشرح هذه الأمور؟ تقريبا لا شيء؛ لأنه يستشعر هذه الأشياء ويمارسها فى حياته كل يوم، وهذا هو ما نريد أن يحدث له فى علاقته بالكتب والقراءة.

 

ابنك أو التلفاز:

الواقع الذى نعيشه يقول: إن التلفاز هو المتصدر للمشهد داخل معظم بيوتنا العربية، لكن ماذا لو طلبت منكم ألا تتركوا أبناءكم أمام التلفاز قبل سن الرابعة، وإن استطعتم لمرحلة عمرية أكبر  يكون أفضل.

 

كثير من الأمهات والآباء يضعن أبناءهم أمام شاشات التلفاز؛ لأنه يجعله منصرفا عنهم لفترات طويلة، وبذلك يتمكنوا من إتمام ما عليهم من مهام.

 

أعلم أن البعض سيقول: “نحن لا نتركه إلا مع برامج تعليمية مخصصة لعمره”، لكن الحقيقة إنه  حتى المحتوى التعليمي المقدم فى التلفاز يحول الطفل إلى متلقى، بينما التعلم عن طريق الكتاب والألعاب يحوله إلى مشارك ويرفع من قدراته الذهنية والعضلية، لذلك عندما تتضررون فى المرة القادمة من كثرة  حراك أطفالكم فى وقت أنتم غير قادرين على اللعب معهم فيه أو الخروج بهم خارج المنزل، لا تضعوهم أمام شاشة التلفاز هناك حلول أخرى يتحدث عنا خبراء التربية سيكون عليكم البحث عنها وإيجاد المناسب لكم ولأطفالكم، لكن بالتأكيد إذا استمر الأمر هكذا ستظل الغلبة للتلفاز على حساب أمور أخرى كثيرة من ضمنها القراءة.

 

متى أقرأ له؟

الأفضل هو البداية معه منذ الميلاد، لكن بالتأكيد يمكن تدارك الأمر فى أى سن، فقط يكون الأمر أيسر كلما بدأنا مبكرا، من الصعب اختصار كيفية تربية الطفل على حب القراءة فى مقال، لكن إليكم بعض النقاط الهامة:

 

1- إيجاد وقت للقراءة يوميا، من الأفضل تثبيت هذا الوقت، البعض يفضل أن يجعله  قبل النوم.

3-  لندع الطفل يختار ما يحب أن يقرأ له حتى وإن أصر لفترة على نفس القصة.

4-   علينا مراعاة أن لا تتضمن القصص ما يثير خوفه أو فزعه أو ضيقة وهو أمر يختلف ليس فقط من سن لآخر، ولكن أيضا من طفل لآخر فما يجده طفل مثيراَ قد يجده آخر مخيفاَ.

5- حاولوا أن تصحبوا القراءة بأداء صوتي مختلف للشخصيات، ولا بأس بأداء حركى أحيانا لخلق نوع من المرح والألفة .

6- لا توقفوا عادات القراءة أثناء فتره الدراسة، قد نضطر لتقليل الوقت المخصص قليلا لكن علينا ألا نوقفه.

7- ابتعدوا عن تكرار عبارات مثل: “أذكر لى ماذا استفدت من هذه القصة؟” “هل رأيت مصير الكاذب؟”، إلى غير ذلك من عبارات بعد الانتهاء من القراءة، الطفل ذكي ويستطيع أن يدرك الأفكار التى بكل قصة، فلا تجعلوا فترة القراءة شبيهة بحصص المطالعة فى المدرسة.

8-  إذا كان طفلكم يستطيع القراءة: من المفيد أن تجعلوه يقرأ لكم، وإن لم يكن لديكم ما يكفى من الوقت فمن الممكن استغلال الوقت الذى تقضونه فى السيارة، أو أثناء إنهاء بعض المهام المنزلية أوتحضير الطعام فيجلس إلى جواركم ويقرأ لكم، لكن لا ينبغي أن يطغى هذا على الوقت الذى تقرأون أنتم له فيه، فإن كان لا مفر من دمج الوقتين فلتحاولوا إذن تدارك الأمر بصورة ما كأن تجعلوا القراءة بالتناوب بينكم فتقرأوا أنتم صفحة ويقرأ هو أخرى وهكذا .

 

تعامل الطفل مع الكتب

المقصود هنا هو العلاقة الحسية بين الطفل والكتاب: كيفية الإمساك به، عدم تمزيق أوراقه، وضعه فى مكان المخصص له، تحسين وضعية إمساكه بالكتاب ومساعدته على تقليب الصفحات  بهدوء من طرف الصفحة السفلى، إلى غير ذلك من أمور من شأنها أن تضع الكتاب لديه فى مكانة خاصة.

 

اختيار الكتاب

معرفة كيفية اختيار الكتب المناسبة لكل سن أمر مهم وقد لا يتسع له هذا المقال، لكن بشكل  سريع نبدأ بكتب ذات رسومات كبيرة (الصفحة صورة) لحيوان أو نبات، بتدرج السن سننتقل للكتب ذات الرسومات الكبيرة المصحوبة بعدد قليل من الكلمات فنبدأ فى قراءة الكلمات، عندما يتعلم  القراءة سيبدأ هو فى القراءة وستزداد مساحة النص على حساب الصورة كلما ازدادت مهاراته.

 

اصطحابه لشراء الكتب

إذا كنا بدأنا مبكرا فيما سبق فمن الممكن أن نبدأ فى اصطحاب الطفل؛ لشراء كتب منذ سن الربعة، بصورة أساسية ستجذبه الصور والألوان، كذلك حجم وملمس الكتاب قد يكونان مؤثرين،  لذا سيكون علينا اختيار مكان يحسن اختيار الكتب المتاحة للأطفال من حيث المحتوى، من جهة أخرى سيكون علينا إدارة حوار مع الطفل؛ لبيان أننا قد لا نتمكن من شراء كل الكتب هذه المرة  لأن لدينا ميزانية محددة وإننا قد نتمكن فى مرات قادمة من إحضار المزيد، ولبيان أيضا أنه قد يكون هناك كتب تحوي موضوعات غير مناسبة لقراءتها الآن لذا سننتظر حتى  نكبر قليلا.

 

فى المكتبة، اتركوا له الحرية فى الاختيار ولا تتدخلوا إلا فى أضيق الحدود فى إطار ما تم الاتفاق عليه .

 

في النهاية القراءة جزء هام فى تربية الطفل، ولكنها كغيرها من العادات التى تحتاج منا إلى صبر ومداومة، وبذل الجهد حتى تصبح جزء من شخصية هذا الطفل، فإذا ما أصبحت كذلك ثقوا إنها لن تغادره أبدا.

 

دمتم قراء

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد