معروف أن «التوك توك» أو «الباجاج» هي مركبة نارية ذات ثلاث عجلات، تُستخدم وسيلةً للانتقال بالأجرة، ويتساءل بعض المواطنين الصوماليين عن حاجة الصومال إلى هذا النوع من المركبات؛ لأنها تنتشر عادةً بصورة ملحوظة في البلدان ذات الكثافة السكانية العالية، مثل الصين، والهند، وباكستان، وبنجلاديش، ومصر. وغيرها.

وقد بدأت تجارة «الباجاج» في تزايد منذ فترة وجيزة في الصومال، مما أدى إلى إقبال الشباب على هذه المهنة، وقد ترك بعض الشباب تعليمهم واللجوء إلى هذه المهنة الغريبة، وهناك من يعمل في هذا المجال في الفترة المسائية بعد انتهاء الدوام والعمل المدرسي أو الجامعي كوظيفة إضافية لزيادة دخل الأسر، وبديلًا عن ممارسات وأعمال أخرى غير قانونية كالتهريب وغيره.

وحاليا أصبح «الباجاج» وسيلةً رئيسة وأساسية للتنقل في الشوارع والطرق المتعرجة بمقديشو في السنوات الثمانية الأخيرة بشكل كبير، وغالبًا ما يستخدم «الباجاج» في نقل الطلاب إلى المدارس، والموظفين إلى أعمالهم يوميًّا؛ لأنها تعتبر وسيلة نقل رخيصة وسريعة، وقد أصبحت أيضًا بديلًا مهمًا لسيارات الأجرة المشهورة الملونة بالأصفر والأحمر، والتي كانت تُستخدم قديمًا في العاصمة الصومالية مقديشو.

وعلى الرغم من كون «الباجاج» وسيلة نقل فريدة لمحدودي الدخل والمواطنين البسطاء، إلا أن انتشارها المتزايد أدى إلى ازدحام وسوء الاستخدام أحيانًا مثل السرقة، وخصوصًا سرقة الهواتف؛ ما دفع بعض المواطنين إلى الانزعاج وعدم الثقة بسائقيها، علمًا أن عدد «الباجاج» الآن في مقديشو يفوق عدد سيارات الأجرة بكثير، وذلك لانخفاض تكلفته وقدرته على السير في الشوارع والطرقات الضيقة في النواحي.

وذات صباح ركبت مركبة «الباجاج» وبعد أن تحركنا قليلًا رأيته يلعن شرطة مصلحة الضرائب؛ فتعجبت منه، ثم سألته وهو شاب في العشرينيات من عمره عن سبب مشاجرتهم الدائمة مع شرطة مصلحة الضرائب في الشوارع.

قال لي:«إنهم يطلبون منا دفع ضرائب باهظة لا نستطيع دفعها، وإذا أرادت الدولة فرض ضرائب علينا، فإن عليها أولًا أن توفر لنا الأمن في المقابل، وطرقًا ممهدة، فجميع الطرق التي نسير عليها غير معبَّدة، الأمر الذي يعرض مركباتنا للكثير من الأعطال».

وسألته أيضًا عن ساعات العمل ودخله اليومي الحقيقي.

فأجاب:«أعمل يوميًّا على «الباجاج» من ثماني إلى أربعة عشر ساعة يوميًّا؛ منذ السابعة صباحّا وحتى العاشرة مساء، وأجني حوالي (10 إلى 20 دولارًا) ولكن هذا أمر غير ثابت يختلف باختلاف الوقت وإقبال الزبائن.

انفلات أمني:
وهناك انفلات أمني أحيانًا في العاصمة الصومالية مقديشو؛ حيث يتعرض المدنيون للانفجارات والقصف والرصاص الحي، وأصبحت لؤلؤة المحيط الهندي ملاذًا للقتلة والانفجارات خلال العقود الثلاثة الماضية، وسائقو الباجاج بدورهم لم يسلموا من تلك الرصاص والتفجيرات، ولاسيما حين يحدث انفجار في المدينة؛ حيث صار سائقو «الباجاج» هم أول ضحايا الانفجار لكثرتهم في كل شارع وفى كل طريق، فتراهم يسقطون في مكان الجريمة مصابين غير قادرين على المشي ومعهم ركابهم، وتلحق بمركباتهم أضرار بالغة، ويتم تحطيمها جزئيا أو كليٍّا، وهذا ما رأيته بأم عيني في آخر انفجار وقع في مقديشو.

مشكلة خاصة:
هناك مشكلة خاصة بهم من قبل شرطة مصلحة الضرائب المسلحة الذين يتهمونهم بعدم دفع الضرائب، الذين يزعمون أيضًا أن «الباجاج» يعد نشاطًا تجاريًّا يستهدف الربح، ولكن لا يدفعون الضرائب للدولة، ويحاولون التهرب من دفع الضرائب عند مرور الشوارع العامة، ما يؤدي إلى استخدام شرطة مصلحة الضرائب المسلحة الرصاص الحي ضدهم، وقد أنهى أفراد من شرطة مصلحة الضرائب بمقديشو حياة سائقي باجاج كثيرين حين أطلقوا عليهم الرصاص الحي بعد أن نشبت بينهم مشاجرة بسبب المرور أو الضرائب، وهذا ليس مبررًا لارتكاب تلك الجريمة؛ لأن الأصل عصمة الدماء.

وفور وقوع حوادث كهذه يقوم سائقو الباجاج بإحتجاجات ومظاهرات غير سلمية غالبًا يعبِّرون فيها عن غضبهم وحزنهم لما يعدونه إستهدافًا مباشر لمهنتهم وحياتهم، ولكن بعد عدة ساعات من الحادثة تعود الأمور كما كانت عليه قبل الحادثة.

وحتى قوات الشرطة المسلحة في الشوارع العامة في العاصمة لا تتعاطف معهم بسبب كثرة مخالفاتهم المرورية مما يؤدي إلى استهدافهم مباشرة في بعض الأحيان.

والجدير بالذكر أنه غالبًا ما يهرب القاتل، ولا تتم محاسبته على الجريمة التي ارتكبها، وهذا ما أدى إلى ازدياد تلك الجرائم.

وأخيرًا، من الأمور الغريبة التي رأيناها مؤخرًا أن شرطة مصلحة الضرائب في الشوارع العامة وفي المكاتب مسلحة، والسبب كما تدعي السلطات هو التجار بكل أصنافهم لا يدفعون الضرائب إلا بقوة السلاح؛ لأنهم غير مقتنعين أصلًا بدفع ضريبة طالما لا يجدون مقابل دفعها أية عوائد أو فائدة كما يقولون، مثل الأمن أو الخدمات الاجتماعية الأخرى، كل ذلك يفرض على الجهات المعنية تصحيح المسار والتفكير في الحل الأنسب، حتى لا يستمر العنف والأزمة والفوضى في شتى مجالات الحياة في بلادنا الحبيبة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد