في كل يوم نستيقظ فيه نسعى إلى تلفاز مباشرة نبحث بين قنوات عن خبر يزيح عن قلب ذاك الكم الهائل من حزن؛ ليستبدل به جبالًا من فرح، خبر ننتظره بشوق ولهفة كلهفة تائه في صحراء بدون ماء، خبر يزورنا في أحلامنا نتلذذ به، ويتلذذ بينا، بين لحظه ولحظه يتحول إلى كابوس يجثم على صدرنا، خبر، وليتهم يعلونه؛ ليشرق يوم جديد بشمس جديد في وطن جديد!

تتوالى أخبار بين الحين وآخر عن بدء عملية تحرير مدينة الطفولة، تلك المدينة المعروف عنها فصولها الجميلة، وأرضها المخضرة، ذات الخيرات الوفيرة، المدينة التي تنقل حياتي بين طفولة ربيعية جميلة كجمال مدينتي، وبين مراهقة خريفية صيفية حارة كحرارة دماء الأبرياء التي تسيل لتسقي الخضار الجميل، المدينة المعروفة بتاريخها العريق من حضارة آشور، ثم نمرود، إلى نبي الله يونس، الذي ذكره الله في كتبه المباركة، نعم مدينتي هي الموصل «نينوى»، أم الربيعين، التي تتوشح أرضها بغزو الخضار، ويخترقها نهر دجلة؛ ليقسمها إلى نصفين، إلى توأمين بجسدين لهما قلب واحد، مدينتي شامخة بشموخ منارة الحدباء، وعريقة بعراقة جامعتها، وطيبه بطيبة أهلها وكريمة بكرمهم، مدينتي يسكنها نبيا الله: يونس ودانيال، وأولياء أنقياء أتقياء، مدينتي مدينة الأنبياء، مدينتي متنوعة، أطياف كتنوع تضاريسه، تجمع ما بين الجبال والسهول الخضراء والصحراء الجرداء. ترى في «بعشيقة» شمال مدينتي جمال الطبيعة الخلابة الخضراء، وطيبة أبنائها، وروح المحبة والتعايش بين أديان, وكذلك إذا ذهبت إلى جنوب مدينتي إلى «الحضر» أو «البعاج» ترى جمال الصحراء والبداوة، ووفاء أبنائها وكرمهم اللامتناهي, ترى في «ألقوش» و«الحمدينة» السماحة الدينية المسيحية والمحبة التي تسير في نفوس أبنائها ترى معالم الحضارة الأشورية في وجه ساكنيه، مدينتي احتلها أوباش الوحوش خوارج العصر الحديث، كلاب النار!

تتناقل أخبار بين قنوات فضائية عن بداية تحرير، بتكثيف القصف، تتبادر إلى ذهني صور مدينة «حلب» الجملية، هي في طريقها إلى التحرير، ولكن أي تحرير هذا؟ أصبحت مدمرة، أصبحت مدينة أشباح، مثل ما أشاهده في أفلام الرعب التي أعشقها، مدينة حلب! خوفي وشبحي يزورني في أحلامي أن أرى الموصل نسخه ثانية من مدينة حلب.

يبدأ التحرير بقصف مكثف بتدمير محطة الماء ومحطة القطار وتفجير أحد بنوك القديمة، ليزحف القصف إلى الجامعة الجميلة, أقرأ خبرًا، وكأن قلبي ينزف، أتذكر خبر تحرير مدينة الرمادي، كان وقع الخبر علي كأب عاد ابنه من أسر، يفرح كثيرًا، ويتأمل ابنه القادم من بعيد، يراه، قد تغير كثيرًا، كذلك «الرمادي» عادت إلى حضن أبيها «العراق»، بعد تدمير مدينة بنسبة ٩٠٪  , تساءلت وقتها: هل نحن نسير نحو تحرير أم تدمير؟

التحرير من رجس كلاب النار واجب شرعي، ووطني، لكن لكي لا نتوهم أو نخلط التحرير بالتدمير, كلنا نعشق التحرير، لكن لا يكون بالتدمير الكلي لمعالم المدينة الجميلة ولجامعاتها الرصينة، كلاب النار اغتصبوا المدينة بتفجير المساجد القديمة والمزارات الدينية، وتحطيم آثارها التاريخية، الشاهد الحضاري على عراقة المدينة، نسألكم باسم التحرير لا تكونوا ككلاب النار! لا تدمروا، لا تحرقوا، لا تقتلوا أبرياء، لا تغتالوا الطفولة بحجة أخطاء تكتيكية يصعب تجنبها, مدينة العرائس تناديكم من بعيد حرروني، لكن لا تدمروني.

التحرير الناجح  يكمن سره في المحافظة على أرواح الناس، وعلى المعالم السياحية، والبنايات ذات التاريخ العريق، «أم الربيعين» بانتظاركم أيها المحررون، وأنتظر خبر التحرير.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سوريا
عرض التعليقات
تحميل المزيد