اللغة ليست فقط رموزًا صوتية، أو حروفًا صورية، أو أداة تواصل بين الناس، بل هي قوالب تحمل ثقافة وتاريخ أمة ما، وهي وطن روحي لتلك الأمة يصهر أفرادها في انسجام، وربما كان هذا السبب الذي دفع ابني خلال زيارته للولايات المتحدة أن يبحث بشوق عن أي شخص يتحدث اللغة العربية، بالرغم من قدرته على التواصل بشكل ممتاز بالإنجليزية؛ لقد كان يبحث عن أمه ووطنه، وهو نفس السبب الذي دفع زوجتي للبكاء في تركيا التي لم ينتصر تاريخها الإسلامي التليد، ولا جمالها الآسر على حنين أم أحمد إلى «لغتها الأم»، فكانت كالمتنبي الذي زار «شِعْب بوان» في أرض فارس وهو جنة من جنان الأرض، ووصف جماله الباهر في قصيدة بمنتهى العذوبة، لكنه صدّرها بشعور العربي فيها بالغربة اللغوية فقال:

مَغاني الشَعبِ طيبًا في المَغاني … بِمَنزِلَةِ الرَبيعِ مِنَ الزَمان
وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبِيَّ فيها … غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ

هذه الأيام نعيش غربة مختلفة عن لغتنا الأم، إنها غربة اللغة العربية وسط أبنائها وعقوقهم لها، ونجد ذلك واضحا في إقبال الطلاب على تعلم اللغات الأجنبية والتحدث بها والعزوف عن اللغة العربية، والطامة أن هذا يتم برغبة الأهل وتشجيعهم، وهم لا يدركون أنهم بهذا يقطعون صلة أبنائهم بدينهم وتاريخهم، ويقدمون جيلًا مشوهًا ومشوشًا يعاني من ضعف مفزع في مفردات العربية وقواعدها، وركاكة مفجعة في التعبير والكتابة بها.

لا يخلو الأمر من أمل يشعّ هنا أو هناك لنصرة لغة الضاد، وترغيب أبنائها بالعودة لحضنها، رأيت هذا الأمل في ورشة تبناها مجمع اللغة العربية الأردني لتعليم الأطفال واليافعين الكتابة باللغة العربية، اشتركت ابنتاي بهذه الورشة المجانية، وقد نجح الدكتور والشاعر حكمت النوايسة بجدارة في تحبيب الأطفال بلغتهم، لقد لمست هذا منذ اليوم الأول للورشة عندما اتصلت بي ابنتي ليان وطلبت مني أن أتأخر في المجيء؛ لأنه تم تمديد وقت الورشة لساعتين إضافيتين بعد توافق رغبة المحاضر والأطفال.

انتظرتهما في الموعد، ومنذ دخولهما السيارة شرعتا في الحديث بحماسة عن روعة محتوى الورشة وبراعة الدكتور النوايسة في إشراك الأطفال باستخراج كنوز اللغة التي طمرتها رمال الإهمال.

وضع النوايسة أقدام طفلتاي على قواعد مهمة في التعبير والكتابة بالعربية، وعلمهن أنه لا يمكن أن تكون كاتبًا دون أن تكون قارئًا نهما، وأطلق خيالهن مع عوالم ساحرة في الشعر والنثر، وأشركهن في وضع نهايات لقصص مفتوحة.

لقد شعرت بجذل وأنا استمع لسما وليان وهن يسردن لي أقصوصة قصّها عليهم الدكتور في الورشة عن خمسينية تجلس في قاعة حفل زفاف وهي تنظر إلى عريسها مبهم الملامح، وتسمع صخب المدعوين الذين غابت ملامحهم أيضًا، وعندما بدأ عريسها يبوح لها بحبه سمعت طرق الباب فنهضت متثاقلة الخطى لتفتح!

سأل النوايسة الأطفال أن يخبروه في اليوم التالي ماذا فهموا من نهاية الأقصوصة.

سألت بدوري سما فأجابت: هي غير متزوجة وتتمنى أن تتزوج، فكانت تحلم بليلة زفافها، ثم استيقظت!

قلت لهن: ربما تكون متزوجة لكن زوجها تغيّر معها حتى ضاعت ملامح وجهه، فعادت بحلمها إلى ليلة الزفاف عندما كانت تحبه، لكنه أيقظها بطرقاته الثقيلة على الباب وأعادها إلى واقعها الذي تكرهه.

سألت ليان: ما الفائدة من استخدام الكاتب كلمة متثاقلة؟ فقالت إنها لا تريد أن تستيقظ من الحلم، لكن لا بد أن تعود للواقع الذي تكرهه فسارت نحوه ببطء.

غمرني امتنان للدكتور حكمت على إطلاقه هذا الإبداع الكامن في عقول أطفالنا، وكنت يوميا استمع من ابنتاي إلى مفردات ومرادفات جديدة لم يكنّ يعرفنها. ولكن أجمل باب فتحه لهن على الإطلاق هو أنه طلب إليهن العودة لقصة يوسف – عليه السلام – التي خلدها القرآن الكريم في سورة باسمه، ووصف الله تعالى هذه القصة بأنها من أحسن القَصَص الواقعي، ولعلها اقتبست حُسنها من بطلها الذي وهبه الله شطر الجمال فكان أبهى الناس خَلقَا، وجمع إلى ذلك الجمال حُسن الخلق الذي يليق بنبي ابن نبي ابن نبي ابن نبي.

وجدت الفرصة سانحة أثناء توصيلهن لمناقشتهن في الوقفات الفنية في قصة يوسف، وتحدثنا عن مطلع السورة حيث يقصّ يوسف رؤياه على أبيه يعقوب: (إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)، ثم قفزنا إلى المشهد الختامي في القصة في خواتيم السورة حين تحققت الرؤيا: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا)؛ وتحدثنا عن الرموز في القصة: الشمس والقمر والكواكب والبقرات السمان والعجاف، والسنابل الخضر واليابسات، ونقر الطير لرغيف الخبز، والرجل الذي يعصر عنبا.

ثم انتقلنا لأهم ما في القصة وهو قميص يوسف والذي كان أداة واضحة للتصاعد الدرامي لأحداث القصة؛ فقميص الطفل يوسف الملطخ بدم شاة، أو الكذبة التي نسجها إخوته ولم تنطلِ على نبي الله يعقوب كان بداية لتشكيل العقدة الدرامية للقصة، وفي ذروة تعقد الأحداث؛ جاء دور قميص يوسف الشاب الذي مزقته امرأة عزيز مصر من الخلف، فكان برهانًا على براءة يوسف وخيانتها؛ ومع ذلك فإن يوسف غُيّب في ظلمات السجن، والذكر الثالث لقميص يوسف كان عندما أرسل قميصه مع إخوته ليلقوه على وجه أبيهم ليعود إليه بصره الذي فقده باكيًا على يوسف وأخيه، وذلك تتويج لانفراج العقدة، والتقاء الأحبة، وانتصار المظلوم، ورد الاعتبار له بأن تبوأ ملك مصر.

لقد عقلت بناتي كل تلك الجماليات في القصة، وانبهرن بالكثير من التفاصيل، وتعلمن الكثير من المفردات القرآنية المستخدمة على نحو دقيق في بناء القصة، مما أكد لي الخسارة الفادحة التي يخسرها أولادنا عندما تُعرض مناهجنا التعليمية ووسائلنا الإعلامية عن كنوز القرآن العظيم وعن لغتنا العربية الثرية الخالدة بخلود كتاب الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد