هو اللون الأسود يُغطِّي المكان، وكيف له ألا يكون؟ والوطن العربى اليوم يحتضر، وتحتضِر معه عزَّة العرب وأمجادهم، فيوما بعد يوم تسقُط الدول العربية دولةً تلو الآخرى في مستنقع العنف اللا منتهي وتتجاهلها بقيّة الدول العربية “الشقيقة” حفاظًا على نفسها أو قُـل “مُلكها”، فالظلم والجهل والفساد في الوطن العربي قد بلغ أقصاه حتى أصبحت السلمية آخر الطُرق التي يمكن اللجوء إليها في حل مشاكلنا واختلافاتنا، فالاختلافُ أصبح عداءً، وإن لم تكن معي فأنت عدوّي حتى تمشي على صراطي وطريقي الذي لا أرى غيره صحيحًا، ومن هذا المُنطلق سقط عالمُنا العربي في وحل التفكُك والإنقسام، وأصبحت الحروب والصراعات عنوانًا له.. ولكن الغريب أنه قد دخل في حربٍ غريبة، حربٍ مع نفسه، حربٍ بلا أعداء، والخاسرُ الوحيدُ فيها هو الوطن. حربٌ بلا نهاية، حربٌ نُحارب فيها أنفسنا ونشتكي لأعدائنا .. هه؟ أعدائنا؟! لم يعودوا كذلك يا صديقي؛ بل قُل أصدقاءنا الجُدد الذين نستعين بهم لإنقاذنا من أنفسنا، فالأرض عربية والقاتل عربيٌّ والقتيل كذلك – وإن اختلفنا معه – وكما يقول الشاعر {وأنا المُقاتَـل والمُـقاتـِل والقتـيل}.

دخل العرب في مؤامرة على أنفسهم، وتوسّعت تلك المؤامرة لتشمل كل الصراعات الإقليمية والدولية القائمة في العالم، وأصحبت الدول العربية أرضًا خصبة لاستضافة هذه الحروب والنزاعات، ولكني سأجد الآن من يعنفني بقوة ليصرخ ويقول: “نحن نحارب الإرهاب!” ولكن يا سادتي الأعزَّاء؛ هل هي حربٌ على الإرهابِ حقًا أم استغلال له؟! هل يتم تدمير آلاف الكيلو مترات بل دول وحضارات بأكملها – يستغرق بناؤها مئات بل آلاف السنين – لنُحارب جماعة أو حركة أو حتى “خِلافة افتراضية”؟! حسنًا، وماذا بعد الخلافة الافتراضية؟! أو دعنا نقل: “وماذا بعد تدمير الوطن العربى؟!”

يقول الباحثون أن “الحرب على الإرهاب” قد تستغرق عشرات السنين لكي تنتهي، فقل لى بربك، بعد أربع سنوات فقط، قُتل في سوريا مئات الآلاف ودُمـرتْ ملايين المنازل وهُجِّـرَ الملايين وأُبيدت حضارة بأكملها، فقياسًا بما حدث وما يحدث في سوريا؛ كم يا تُرى سيتبقّى من العُمران والبشر بعد “عشرات السنين” من مُقاتلة بعضنا لبعضنا؟! هل نحن نسير تجاه خريطة الشرق الأدنى التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو لتقسيم الشرق الأوسط إلى دويلات طائفية ومذهبية صغيرة؟! أم أن كل هذا بسبب فشل الحركات الإسلاميّة السياسية السلميّة في معظم البلدان العربية؟ وهل أصبح “الإسلام الجهادي” يطرح نفسه بديلًا عن “الإسلام السياسي”؟

 

هل من شيء يمكن عمله لتفادي تفكك العرب وتقاتلهم؟! تساؤلات كثيرة تقفز إلى شفتي كل مُتأمل أو مُشارك أو حتى ضحيّة لهذه الحرب الغريبة.
كل ما يهمّنا دائمًا هو “مُحاربة الإرهاب” بالسلاح ورغم غموض المصطلح، إلا أننا لم نفكّر يومًا في محاربته بالفكْر. طبعًا، لأن هذا سيتطلّب منا القضاء على الجهل وهذا ليس من أولوياتنا الآن، فنحن نصرف على الجيوش والحروب المُهلكه أضعافَ أضعافَ ما نصرفه على التعليم والصحه وخلافه، لننتج في النهاية مجتمعا عربيا هشّا يعيش على معونات أعدائه ورُبما يموت بها الآن، فسوريا اليوم تُباد عن بكرة أبيها من كل الأطراف المسلحة فيها سواءً كانت داعش أم الثوار أم النظام، والعراق تلحقها فتُشاركها الصراع ويغلب عليها المذهبية والطائفية التي انفجرت لتفاقم الأزمة، وفلسطين تُدنّس أراضيها يوميًا وتُحتل شبرا بعد شبر، وأقصانا يُقتحم وتُنتهك حُرمته في لحظة هذياننا هذه، ومصر في انقسام حاد يغلب عليه الديكتاتورية، وليبيا دخلت صراعا مسلحا على السلطة لا نهاية له، أما اليمن فلم تسلم من الحوثيين المدعومين من إيران ومحاولاتهم للسيطرة على الحكم، والسودان قد قُسّمت ودخلت في صراع مع نفسها، ولبنان تخشى من قنبلة الطائفية الموقوتة.

نحن هنا لا نسرد الواقع الأليم فقط بل نستبق المؤرخين في تأريخ أكبر مأساة عرفها تاريخ العرب والمسلمين والعالم أجمع! ولا تخف كثيرًا من الواقع الحالي، فمأساة اليوم سوف تُصبح أضحوكة الغد. ونحن نخاف من هذا الغد وما يحمله لنا!

فبالأمس كنّا نخاف من القاعدة بإرهابها واليوم نتحسّر على أيام القاعدة بعدما ظهرت داعش. حتى أصبح لسان حال بعض القوم يقول: “فين أيام تنظيم القاعدة والإرهاب الوسطي الجميل بتاع زمان”.

 

يا سادة، نحن أمام سلسة من الحروب المُدمرة التي تعصف بمعظم الدول العربىة وتتوغل يومًا بعد يوم للبقيّة. فَاستمرار مِثل هذة الحروب سوف يقضي على أي بذرة نماء في هذا الوطن. بل وسيُمكّن الظُلم والقهر من استكمال بناء إمبراطوريّته وغرس جذوره في بقيّة الدول العربية.

والمواطن العربي حائرٌ بين هذه الحروب وبين حربٍ أخرى أشدُ وطأة وهي “اللقمة الحلال” والاستمرار على قيد الحياة وسط كل هذة المآسي والنزاعات، فأنت عربيُّ وعلى قيد الحياة؛ إذًا أنت بطل! وعلى الجانب الآخر نجد الملايين بل المليارات تُصرف يوميًا على الحروب والنزاعات في بُلداننا العربية وكل شهر تقوم ثورة لتغيير نظام سياسي، ولم نرِ ثورة للقضاء على الجهل، ثورة للقضاء على الظلم، ثورة لتغيير أنفسنا وواقعنا الدموي السقيم.

والشباب العربي اليوم يفتقد إلى أبسط سُبل الحياة السويّة، وإن ثار على الوضع فَإن ثورته ثُستغل أو تُسرق لأهداف أخرى خبيثة. الشباب العربى اليوم مريض، يُصارع أرجاء نفسه، فبعضٌ منهم قد رضي بواقعٍ مُـرّ، وبعضهم الآخر لا يزال يُجاهد ليرفض الحقيقة بمرارتها! ومن رضيَ منهم بهذا الواقع، ينتظر أدنى فرصة تأتيه للهجرة أو السفر خارجًا للعمل والعيش بسلام.

ولكن رغم كل هذا السواد، يبقى المؤمنون بأن على هذه الأرض ما يستحق الحياة والكفاح، يبقى دائمًا الأمل يُداعب عقول الطامحين، أملٌ في العودة من جديد إلى درب الجهاد الصحيح، الجهاد لبناء أمة قوية متماسكة، يحرصُ بعضها على بعض أكثر من حِرصهم على أنفسهم، ويقاومون كل محاولات التشتت والتفكك البائسة.
لنا الله فيما مضى، وما يحدث وما هو آت.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد