حينَ أتصّفحُ يوميًّا مواقع التَّواصل الاجتماعي، أو نفتحُ نقاشًا بجلساتنا النَّسوية يكثرُ الحديثُ ويتواصلُ حول وظيفة المرأة الأساسية في الحياة، إذ توسَّع الجدل وصار يأخذُ مساراتٍ ونتائج مختلفة، بطبيعة أن المرأة تمثّل نصفَ المجتمع، وكلُّ ما تمارسُه يلقي بظلاله على صناعةِ مستقبله حتمًا.

وفي ظلِّ مجتمع ما بعد الحداثة هذا الذي وضعت فيه المرأة بصمتها الحقيقيَّة بدون أن يزايدَ عليها أحد، بولوجها مختلف التخصصات ما يليقُ بها وما لا يليق، متغلبةً بذلك عن عوائق مجتمعية وتقاليد ثقافية، وحقَّقت نجاحات مبهرة، سواء كانَ ذلك برغبة وطموحٍ منها أم ما دفعتها إليها الظروف المجتمعية الأسرية والاقتصادية، فالتي منعتها الظروف يومًا من التعلم، أكملتُه بما يتيحُه لها الواقع، والتي كانت تتوقُ لمنصبٍ حقوقيٍّ نالتُه، والتّي حلِمت بأكبر مصنع للخياطة أسسته، والطبيبةُ التي حلمت بالجراحة صارت لا تجد وقتًا من برنامجها المكثَّف بالعمليات الجراحية، أمَّا التي أرادتِ النضال في السياسة أو أن تصنع اختراعًا ميكانيكيًّا أصبحت تجدُ لها مكانًا مرموقًا في أكبر الشركاتِ والمجالس وهلم جرًّا.

أمّا بعدُ يا سيدتي:

ليسَ من الصواب أن أدلكِ أو أعرِّفك حول وظيفتكِ في الحياة، أو أن أرشدك لتكوني ماكثةً بالبيت أو خارجَه، لأنني بذلك التوجيه أكون قد قتلتُ فيكِ فطرة حبِّ فطرة البناء والتعلم، وغايةَ الاستخلاف التي خلقت من أجلها، لكننِّي أصدقُك القول أن هذا الأمر هو مسؤوليتك أنت، نظرتك أنت، رغبتُك أنتِ، لا يجوزُ لأي كانَ من يكونَ أن يحرَّك بوصلة خياركِ لحيثُ لا ترغبين، أو أن يحجب عنكِ شمسَ أحلامٍ ترنو لها نفسُك، إنَّما الأمر يحتاجُ منكِ إلى فطنة لأمرين، الأول أن تتعلمي من تجارب النسوة حولكِ من نجحن ومن فشلن في كلّ الخيارات، يجوزُ لنا الاقتداء الحسن لا التقليد يا رفيقتي، أما الأمرُ الثَّاني هو اختيارُ الوجهة التي تناسبكِ أنتِ، الوجهة التي تكونُ على مقاسِ قناعاتِك، أهدافِك، قدراتُك، وواقعِك.

لا تسمعي لكثيرٍ من الرِّوايات الرومانسية التي تصور لك المرأة قي أبهى صورها من الراحة والغنج الدرامي، وتجمِّل لكِ المرأة وكأنها «السوبر women الخارق» القادر على فعلِ كلّ شيء وأي شيء، فأن تُدركي دور المرأة في الحياة أولى من أن تحصري تفكيرك بينَ سندان الوظيفة ومطرقة البيت !

هذا تكونين كمن جعلت نفسهَا بين ثنائية جامدة؛ لأن الخيار بين هذين الأمرين هو ما يُرادُ لكِ أن تقعي دوامةً فيه ولا تخرجي بعدها، وليس حقيقتك أنتِ، وهو ديدنُ الصراع الحضاري اليوم الذي يضعُ المرأة بين خيارين لا ثالثَ لهما: الوظيفَة أم الزوج، الدراسة أم الزواج، العمل أم تربية الأولاد، الطموحات أهم أم الأمومة، وغيرِها من الثنائياتِ المتناثرة هنا وهناك وتسمعيِنها كلَّ يومٍ وعند عتبةِ كلِّ خيارٍ أو قرار تودين تقرير مصيركِ تجاههُ، هل تدري أنَّها سالبَة لحريَّتك، لستُ أحدثك عن الحرِّية التي يعلُكها إنسان الديمقراطيَّات المزيفة أو إنسان المجتمعِ الصِّناعي، ذلك الذي يوهمك بأنك حرَّة لكنكِ أمَةٌ للآلة، وللأشياء، وللقوانين، والإعلام الذي يتاجرُ بخياراتِك كسلعة يوميَّة بمنأى عنك.

لنعودَ لحريتك الطبيعية سيدتي الحرِّية الخاصة بكِ هي التي تحددها قيمِك الشَّخصية، وطموحاتِك المنطقيَّة، وقراراتك التي ترينَها صالحة لزمكانٍ ما، الحرية الطبيعية هي أن تسمعي لصوتِك الداخلي دون تأثرٍ خارجي لتقرري تجاه خياراتك في الحياة بطريقةٍ صائبة إلى حدٍّ ما.

فالكثيرُ من بناتِ حواء اليوم يقعن في مغالطات كبرى يقسنَ إثبات ذواتهن والتميز الشخصي بالأخريات فلانة دكتورة، (فلانة موظفة، فلانة مربية مميزة، فلانة طبَّاخة ماهرة.. إلخ) حتى عميت الأبصار وأصبحت الكثيرات ممن لا يحققن شيئًا من هذا القبيل تبدو الحيرة على أعينهن، دعكِ من هذا!

إن معرفتك لدورك في الحياة وسبب خلقكِ ستجعلك تحددين أدوارك الكاملة والهادفة والعميقة بسلاسة، وتخرجين من عنق زجاجة العبودية التي فرضتها حياة اليوم، أنت سيدتي حينما تتعمقين في معرفة أدوارك ستحددين أهدافك بتوازن، من ثم يصبح قياس النجاح في حياتك الشَّخصية، الأسرية أو العملية له معايير ومحددات صالحة ومتناسقة مع أدوارك الأساسيَّة.

لأننا اليوم نخطئ في معرفة أسباب وجودِنا لجانب الرِّجال، ولا ندرك كيفية انتقاءِ أدوارِنا أو الإجحاف في حقِّها ما دُمنا لا نعرُفها أصلًا، فمعرفةُ دورك كأم وكزوجة وكعاملة وكمؤثرة مختلفٌ أيُّما اختلاف، وإن كان لبعضِنا الأدوار نفسها فالمتغيِّرات الأسرية والمجتمعية والمادية مختلفة بيننا جدًّا، ما يوجبُ عليكِ وعليّ وعليها أن نحترمَ هذا من أجلِ تقدير ذواتِنا وعدم ظلمها في ظلِّ التقلبات التي يشهدُها المجتمع، وهو الأول الذي يحتاجُنا قويَّات، متميزات وعارفاتِ فاهماتٍ لأدوارنا، موقناتٍ بأننا نسلكُ طرقًا يصبُّ أثرها في بناء المجتمع أولًا وأخيرًا.

لم يكُن نجاحُك سيدتي مرتبط بمهنةٍ أو وظيفة تسعين وراءها أو في هدف واحد ووحيد، بل النجاح يكمنُ في كلّ الإنجازات البسيطة يكفي أن تختاريها أنت بحب ورغبةٍ فيها، المُّهم أن تكون نابعة من قلبكِ ورغبتكِ أنت، لأن وظيفتك الأسمى هي التي تشعرك في انتهاء يومك بأنك أضفت للأمة شيئًا، سواء كنتِ ماكثة بالبيت أو عاملة، أو فاعلة اجتماعيًّا بتطوعٍ، أو مربية لأطفالك، أو متفرِّغة لزوجك.

حواء إثبات ذاتك الصحيح ينطلقُ من كونك لا تنافسين سوى نفسك، وتتغلبين على مخاوفك، لا أن تنافسي رجلًا أو امرأة أخرى، لسنا بالأهداف نفسها ولا الأولويات، ولا الشخصيات ذاتها، واحترام اختلافاتنا أولى، فلا يغرنك حالها، ولا يحملُك الغيظ لأن فلانة تمارسُ شيئًا غير الذي تمارسينه، لستُ أقصد هنا كبتُ الأحلام والطموحات، لكننّي أقصد المقارنة الصفرية تلك التي تشعرك بأنك لا شيء ولا تشبهين قريناتك.

احترامُ أنفسنا يبدأ من قناعاتنا منطلقاتنا أسباب وغاياتِ وجودنا، فأن أختار تربية أبنائي وسعادة بيتي، وتختار تلك وظيفة صباحية، وأخرى وظيفة تطوعية، وثالثة بحرفتها، وأخرى تختار الجميع وتقدر عليه، لا يعني أننا لسنا بالقدر نفسه من الوصول، بل من الخطأ أن نجعل الآخر مقياسًا لنا، هذا يعود لرؤية كل منا وتفكيرها، المهم أننا نصبو للغاية ذاتها، ونمارسُ السعي نحو أسباب وجودنا بطريقة مباشرة أو غيرِ مباشرة، ألا وهي بناء الإنسان الصَّالح لعبادة الله.

هذا وقد تختلفُ جسور وصولنَا لها، فلنقدر بعضنا بعضًا، وندفع بكل أنثى للقيام بواجباتها، وتحقيق طموحاتها وإدراك غاياتها، لأننا نشكل إضافات لبعضنا كل من ثغرها، في حد لا نغرقُ فيه لرمي عباءة الدور الأول الذي خلقنا من أجله، ألا وهو صناعة نصف المجتمع ومبتدأه، الأسرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد