خجولة، منطوية، تقلق بشأن الأنشطة الاجتماعية وتتجنب التعامل مع الغرباء، تجد صعوبة في القيام بالأشياء عندما تكون أعين الأخرين مُسلطة عليها، يلازمها التوتر والقلق وتتردد كثيرًا بشأن قرارتها، يلاحقها دومًا الخوف من الانتقاد أو التعرض للإحراج، تزورها بين الحين والآخر نوبات هلع وعصبية زائدة عندما تعلق في موقف لا تتمكن من التعامل معه، تخفي دائمًا شعور لا تعرف ماهيته لكنه يمنعها من الاقتراب والثقة بالأخرين… والقائمة تطول!

كنت أظن إنها مجرد اضطرابات عادية تحدث لمعظم البشر في بعض المواقف الصعبة أو خجلًا زائدًا عن الحد أو انطوائية شديدة أو مجرد عجز في بعض مهارات التواصل! لم أشك بأن هناك خطبًا ما خاطئًا بي إلى أن وجدت تلك الاضطرابات تتخلل حياتي اليومية بغزارة ولا تقتصر على المواقف الصعبة، وحسب إنما حتى المواقف الاجتماعية الاعتيادية باتت بها مشكلة ملحوظة، وأصبحت تؤثر على ثقتي بنفسي وحياتي سلبًا!

تعريف الرهاب الاجتماعي

بالمصادفة البحتة قرأت مقالًا على الإنترنت يتحدث عن الرهاب الاجتماعي أو (اضطراب القلق الاجتماعي) Social Anxiety Disorder والذي يشعر المصاب به بالخوف والتوتر من المواقف الاجتماعية الاعتيادية لذا يتحاشى التواجد وسط الجموع لكونه لا يستطيع السيطرة على توتره وخجله المزمن، وأحيانًا قد يسبب الاضطراب بعض المشاكل الجسدية مثل الدوار ومشاكل المعدة وضيق التنفس وغيرها.

علمت حينها أن الأمر أكبر من الخجل أو التوتر العادي إنما يبدو أنني مصابة بالرهاب الاجتماعي!

حياة المصاب بالرهاب الاجتماعي

أهلًا بك في حياة المصاب بالرهاب الاجتماعي حيث يتوج القلق والتوتر والتردد كافة مواقف ولحظات حياتك حتى تلك التي يعتبرها الجميع عادية أصبحت تشكل ضغطًا عصبيًا على حياتك، تأخذك من منطقة راحتك وتضعك على حافة الانهيار لتصبح مأساة حياتك التي لا تعرف كيف وإلى أين يمكنك الفرار هاربًا منها، وإن حاولت مقاومتها تجدها تحيط بك من كل ناحية لتشعر وكأنها تكاد تخنقك! فلا يسعك إلا الاستسلام والرضوخ لها لتستمر المأساة كما بدأت!

سلسلة لا تنتهي من الاضطرابات والمواقف المأسوية التي تشكل فيلمًا واقعيًا تراجيديًا يسمى حياة المصاب بالرهاب الاجتماعي! إليك بعضًا منها لعلك تدرك حجم المأساة!

أشعر وكأنني سأسقط مغشيًا عليّ عندما أجد نفسي محاطة بمجموعة من الغرباء وما يزيد الطين بَلَّة هو محاولة أحدهم الحديث معي أو عندما أجد أعينهم مسلطة عليّ! أتوتر بشدة وتزداد ضربات قلبي، يحمر وجهي وأشعر بالدوار، أحاول أن استجمع قواي حتي لا أنهار باكية أو أفقد وعيي، ولكن هذا لا ينجح دائمًا إنما غالبًا ينتهي الأمر بمأساة جديدة!

ينضب شغفي تجاه الأشياء أسرع مما قد تتخيل، فأحيانًا يقتلني التفكير حول عدد الأيام التي قضيتها دون ونيس حتى اكتست حياتي بحُلَّة الكآبة والوحدة، ثم تروقني فكرة الاستمتاع رفقة الأصدقاء، أقضي ليلتي أفكر بحماس في لحظاتنا السعيدة التي سنسرقها سويًا، ثم أذهب إلى فراشي ظنًا مني أن هذا الشعور سيستمر، ولكن هيهات! فما أن يأتي الصباح أشعر، وكأن الأمر صار يطبق على أنفاسي بعد أن ظننته الملاذ الوحيد للهروب من وحدتي! يقفز في عقلي مئات السيناريوهات المحبطة التي ستُفسد يومي، أفكر في مئات الحجج لأفسد الأمر، وما إن يخرب تمامًا أعود لوحدتي لأعيد الكَرّة ألف مرة!

أفكر في مراسلة أحد الأصدقاء القدامى أو بدء صداقة جديدة مع أحدهم الذي يجمع بيننا الكثير من الاشياء المشتركة، أتحمس كثيرًا، ثم فجأة أجد مئات الهواجس تقفز في عقلي دون استئذان لتربكني وتجعلني أخشي القيام بالأمر بعد أن كنت أحترق شوقًا لفعله، مئات التساؤلات تعبث في عقلي، ماذا إن كان هذا الشخص لا يستلطفني؟ هل هو متحمس لبدء صداقة جديدة؟ هل قد يعتبرني متطفلة إن سألته عن أحواله؟ وتأتي رفقة كل تلك الهواجس أزمة ثقتي في الجميع التي تطفئ حماسي وتجعلني أعدل عن قراري!

التواجد وسط الجموع، أو في المناسبات الاجتماعية صار كالكابوس الحي الذي لا استطيع الاستيقاظ منه! أشعر بالاختناق في تلك المواقف لذا أحاول تجنب الاختلاط وأنطوي في أحد الزوايا الغير مرئية، أتجنب الحديث أو عرض وجهات نظري لأنني أخشى أن يراني البعض ساذجة أو ثقيلة الظل أو يقلل من آرائي ويكلفني ذلك إحراج ذاتي أو يعرضني للانتقاد، نفذت قائمة الحجج التي استعين بها للفرار أو أصبحت مبتذله للحد الذي لا يصدقها أحدّ!

القلق هو صديقي الوحيد الذي أتمنى أن يحالفني الحظ لخسارته يومًا ما، يرافقني في كل خطواتي ويدحض كل محاولاتي لكي أحيا بصورة طبيعية، أشعر وكأنه يزاحم عقلي في كل مرة أقرر أن أخطو خطوة جديدة نحو الأمام ليعيدني ألف خطوة للوراء، أشعر بالحماس يغمرني من كل ناحية في بداية الأمر ثم سرعان ما يفرغ مخزون الحماس ويحل محله الخوف والقلق المزمن والرغبة في الهرب وإنهاء كل شيء!

التوتر والتردد وجهان لمعاناة واحدة! كلاهما قد يدفع بك إلى الفشل أو الخسارة! هل جربت شعور التوتر وعدم الارتياح في موقف معين حتى شعرت وكأنك ستسقط مغشيًا عليك؟ هل أحسست بالتردد القاسي في كل خطوة تفعلها في حياتك حتى وإن كانت مجرد شراء معطف جديد أو كتابة «بوست» على «فيسبوك»؟ تخيل أن يكون هذا نمط حياتك اليومي في كل شيء صدقني لن تكون مسرورًا أبدًا!

أتعرف ماذا يمثل لي الليل؟ آلة زمنية لاسترجاع الذكريات الحزينة التي لم يسر فيها الأمر مثلما أردت، أفكر في كم شخصًا خسرت وصداقة انتهت قبل أن تبدأ، كم قرارًا أجلته للغد ولم يأت نهار الغد أبدًا، كم ليلة قضيتها متسائلة إن كانت الخطوة التي اتخذتها بكامل إرادتي صحيحة أم لا، كم خطوة رجعت للوراء لآني خشيت شبح ما سيقوله الناس، كم مرة اضطررت إلى تبرير موقفي، بالرغم من أنني لم أكن المخطئة، ولكن نوبات غضبي المفاجئة دائمًا ما تكون دافع ليستغلها البعض ضدي ويصدق البعض الآخر ما ليس بي! كم مرة بكيت عندما شعرت بأنني لم ولن أصبح الطرف الأكثر تميزًا في أي موقف وقصة، لو عرفت ربما لن تصدق، وإن صدقت ستُصدم، وإن صُدمت سترأف لحالي، ثم ترمقني بنظرة التعاطف التي أعرفها جيدًا وأكرهها بقدر كرهي لكل هذا!

لا أستطيع الإفصاح عن مشاعري ولا تفسير تقلباتها، لا أعرف كيف أفسر مشاعر القلق والتوتر ومزاجيتي التي تفسد كل شيء وأنا في غمرة سعادتي ولا كيف أتلعثم ثم أفقد النطق فجأة وأنا في وسط حديثي من شدة توتري، كيف أخبرهم عن نوبات الغضب والعصبية المفرطة التي تأتيني فجأة دون مقدمات ولا أستطيع السيطرة عليها؟ هل سيفهمون كيف أعاني الوحدة وأنا وسط الجموع؟ هل يعلمون أني أبذل قصارى جهدي لأتغلب على كل هذا والرغم من ذلك لا يسر الأمر كثيرًا مثلما أردت؟ سيعتقدون أنني أبالغ أو أهول الأمر سيحاول بعضهم ادعاء التعاطف وطرح بعض الحلول المنطقية التي لن تجدي نفعًا، أما الأخرين فسيكتفون بنظرة مستنكرة أو ساخرة!

علاج الرهاب الاجتماعي

بالرغم من محاصرة تلك الاضطرابات لي من كافة الاتجاهات إلا أنني سعيت ومازالت أسعى بكل ما أوتيت من قوة للتخلص منها ووصلت في النهاية إلى عدة حلول من غمرة تجاربي التي فشلت مئات المرات ونجحت مرة ولكنها بألف مرة! وساعدتني لأتحسن ولعلها تكون طوق النجاة لك أيضًا!

أولى خطوات التغلب على أي مشكلة هي الاعتراف بها واجه ذاتك ولا تقضي أوقاتك تعدد أسباب اضطرابك إنما فكر في كيف تتغلب عليه، الخوف لا يولد سوى الهزيمة إن انتصرت عليه انتصرت على كل شيء! المشاركة في الأنشطة التي تتطلب التعامل بشكل مباشر مع الأشخاص كان لها مفعول السحر في التغلب على شبح الخوف وزيادة ثقتي بنفسي، الأمر كان يبدو مستحيلًا في البداية ولكنه شيئًا فشيئًا صار علاجًا فعالًا!، لا أتردد في طلب المساعدة إن شعرت بأي عرض من أعراض الاضطراب الاجتماعي من شخص قريب مني فالدعم سلاح لا يمكن الاستهانة به، أدون كل موقف أتغلب فيه على اضطراباتي حتى أصبحت لدي قائمة إنجازات حياتية أتحمس كل يوم لإضافة المزيد لها، أحاول ترتيب أفكاري وأرائي وكتابة النقاط الرئيسية لتكون منظمة وواضحة ثم ألتقط أنفاسي وأشارك بها، وأخيرًا أكتب فالكتابة تساعدني على تدعيم شخصيتي وإبراز مشاعري وآرائي مهما كانت دون خوف ولا شك، وبالرغم من أن تلك الاضطرابات مازالت تزورني بين الحين والآخر إلا أن حالتي تحسنت كثيرًا وأتمنى أن تستمر محاولاتي للتحسن حتى أتغلب على شبح الرهاب الاجتماعي وأعيش الحياة الهادئة المستقرة التي لم أعشها يومًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد