عزيزي يا صاحب الظل الطويل:
«ليست المتع الكبيرة الهائلة هي التي تهم؛ بل صنع الكثير منها من متع صغيرة، لقد اكتشفت السر الحقيقي للسعادة يا عزيزي، ويكمن هذا في أن تعيش اللحظة، وألا تتحسر على الماضي على الدوام، أو تفكر في المستقبل؛ بل أن تحصل على أكبر قدر من هذه اللحظة».
  جودي آبوت

رد قصير

عزيزتي جودي آبوت أما لو أنك حدثتيني عن جمال اللحظة، وضرورة عيشها قبل عشر سنوات مضت، لكنت طربت لقولك، وانتشيت لحكمتك، وسارعت لمجاراتك في اغتنامها، والسعادة بها، ولكنها أوطاننا يا جودي،

الأوطان اليوم سلبتنا ذواتنا وعشّقت لحظاتنا برائحة الدم، والبارود؛ فالأطفال فينا جوعى، والآباء قتلى، والأمهات ثكلى، والبلاد مدمرة والعباد مشردة.

دمشق
أوتعرفين دمشق يا جودي؟ دمشق المدينة التي اختارتها الشمس مولدها، درّة الشرق وميلاد الروح، أوتعرفين لحظاتها؟
دمشق اللحظة يا عزيزتي تتقلب بين حرب، وجوع وتشرد. أهلها بين نازح في أرضه ولاجئٍ في بلادٍ لا تريده، وبين ميتٍ يستأمن التراب على بقاياه ومعتقلٍ يسترحم الجلاد؛ ليبقي على شيء من كرامته، وبين جائع يتجول الشوارع، يستطعم ولا يُطعم. هذه دمشق اللحظة.

احكي لي يا جودي

هل طربت يومًا على أغنية فيروز «أحب دمشق»؟ أما وإنني سعيت للحظة الانتشاء تلك مع فنجان قهوة في صباح يوم عادي ولكنها الأخبار المشؤومة، كانت تتقافز أمام عينيّ لتقول إن هناك معيلًا انتحر وطفلًا مات جوعًا وأمًّا اغتصبت وقتلت، ومدنًا قصفت، وأهاليَ شردت ومرارًا كثيرًا آخر. حاولت تجاهل الأمر كله والتركيز مع فيروز وحسب، وإذا بجارنا يطرق الباب يخبرنا بضرورة تخزين مزيد من الخبز لأن دمشق بعد قليل بلا خبز!

لحظات مُرَّة
اختنقت باللحظة يا جودي وحاولت الهروب منها فمشيت في شوارع دمشق العتيقة أحاول استنشاق بقايا الياسمين والبهارات المعشقة بتداخل جميل بينها، فتهاوى إلى سمعي كلام غريب بلغات غريبة لم أفهم منها إلا أمرًا واحدًا وحسب، أن هذه ليست دمشق. دمشق اللحظة يا جودي مملوكة لكل الدنيا إلا لنا.
طويت نفسي على نفسي وعدت منكسرة مهزومة. لا شيء من لحظاتك السعيدة هنا يا عزيزتي، لا شيء على الإطلاق، فاعذريني.

مصر
جودي الحبيبة هل حدثوك يومًا عن مصر؟ عن الحضارة وأبيها وسعادة التاريخ، وأم الدنيا، مصر اللحظة يا جودي تأكل أهلها، مصر النيل فقيرة معدمة تترنح تحت أقدام طاغية يسومها كل يوم ضربًا من عذاب. مصر اللحظة أسكتت ثوارها وأسعدت جلادها وأعدمت أشرافها وأكرمت فجارها. مصر اللحظة كسيرة يا جودي مقيدة، مهتوكة مسيَّرة فكيف للحظتها أن تكون سعيدة وقد غارت أحلامها وسقطت راياتها وصار جل نحيبها لأجل كسرة خبز؟
اتركيهم يا جودي يغادرون من هذه اللحظة إلى روضات الماضي ويستشرفون بأوهامهم أحلام الآتي، فعسى بذلك أن يكون لأرواحهم سلوى ولأوجاعهم خدر.

اليمن
هل مر ذكر اليمن السعيد مرة أمامك؟ أوليس الاسم بذاته سعادة؟ تخيلي لو كان اسم بلادك متبوعًا بالسعادة؟ أي هناء ذاك الذي يكون. ولكن؟
يا عزيزتي اليمن اللحظة ليس فيه شيئًا من سعادة، بل لعله الأكثر تعاسة على الإطلاق فكأنه يجمع ويلات الجميع، مقسمًا محكومًا جائعًا خائفًا، فبالله عليكِ لا تسكنيه اللحظة.

أأحكي لك عن بيروت أم العراق أم طرابلس الغرب أم أحكي لك عن فلسطين؟

لا لوم
اتركينا يا جودي فإن اللحظة شديدة جدًّا علينا ولا نستطيع احتمالها ما لنا إلا الهروب إلى زمان غابر أو مستقبل مرجو
اللحظة اليوم يا عزيزتي هي جلد لذواتنا وانتهاك لإنسانيتنا، نحن لا نقوى على الوقوف معها لأن فيها هلاكنا. فاسمحي لنا بالهروب باحثين عن بقائنا هناك في ماض أو آت، واستثني دومًا العرب من حديث السعادة وقولي قد كانت لحظاتهم سوداء مصلوبة فكيف لها أن تُقمر؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد