ثمة شيئان اثنان لم تمتد إليهما يد البشر بظلمها وطغيانها: الهواء الذي نتنفسه في صدورنا، والأحلام التي نبنيها في نفوسنا، ولا أحسب أن قوة قادرة على الإتيان بذلك؛ ذلك لأن الله لا يجمع علينا شقاءين اثنين: شقاء الدنيا الذي في العلن، وظلمة النفس التي في السر.

سألني صاحب لي يومًا: إذا ما طالت بك السنون، وبلغت من العمر مبلغًا سحيقًا، وأوشكت على الموت، أي الأشياء في الدنيا تخرج بها عزيزًا لا تندم على مرافقتها لك، وتتحسر على مفارقتك لها، فقلت له: أحلامي التي في داخلي لا أسر بها لأحد، أرفع فيها كل يوم بناء، وأضع فيها كل ليلة حجرًا، يا رفيق ما وجدت في الدنيا أوفى لي منها، حتى أنها أوفى بي منك أنت؛ لأنك عما قريب تضجر من سآمة حديثي، وطول مقالي، أما هي، فإني أشهد أني قضيت زهاء 10 سنين أجهد خيالي بالأحلام، وأشق على نفسي بالآمال، فما وجدت في أحلامي إلا صلابة وقوة، كلما وقعت كانت من ورائي عونًا، أينما سقطت في بئر الشك، واليأس سمعت صوتها في داخلي ينادي: أن قم، فثمة بناء لم يكتمل بعد!

لا تتوقف عن الخيال يومًا واحدًا، فالله لم يجعل للبشر سلطانًا لبعضهم على بعض في أحلامهم، انسج أحلامًا إزاء كل شيء، حتى تلك الأحلام التي لا قدرة لك عليها ولا حول ! فما لم تدركه كله لا تفوته كله، ويكفيك من الدنيا عجزك فيها، وحسبك من أحلامك عونها لك.

أحلام الطفولة تختلف عن أحلام الكبار؛ ذاك أننا حين كنا صغارًا، كنا نسرف في الأحلام إسرافًا، لم نكن قد اطلعنا حينها على تلك القيود والعقبات التي في الدنيا، ولم نكن نعرف حينها أن البشر طغاة ظلمة، وأن الحياة شاقة صعبة، فلم نكن نضع للأحلام سدًا، ولا للقصور سورًا، ولا للبحر شاطئًا، ولكن أحلام الكبار أفسدها شقاء الدنيا وتعاستها، في تلك المفارقة تعليلًا لما كنا عليه في الماضي، وما صرنا إليه في الحاضر.

لا يهم عندي هل تتحقق الأحلام أم هل تبقى قابعة في الخيال ساكنة في العقل، فإن تحققت كانت لك مفخرة ومأثرة وقلت: انظروا أيها الناس! هذا كان لي يومًا حلمًا، فصار اليوم حقًا تدركه الأبصار، وإن لم تجد طريقها إلى الحقيقة تكن قد أعذرت إلى ربك، وأخليت عن نفسك تهمة العجز والكسل.

ألا يكفيك أنك إذا ما أظلمت عليك الحياة أويت إلى نفسك تنسج أحلامًا، حتى إذا استجمعت نفسك عدت من جديد أقوى نفسًا وأصلب عزما؟! أما ترى أنك على هذه الحال لا تستلسم أبدًا ولا تقع! فأنت إما تبني أحلامًا أو تسعى في تحقيقها، وكلتاهما آية الحياة في نفس صاحبها، ففي مذهبي: أن الإنسان كائن حي ما دام يسعى، ومتى توقف عن الحلم، وكف عن السعي، ذهبت روحه من نفسه، وانقضى أجله، ولو كان في ذروة شبابه، وقوة بنائه. احلم كثيرًا؛ حتى يقول الناس: ما يكون لهذا الرجل أن يموت كما يموت الناس.

يقول عمر بن عبد العزيز لوزيره رجاء بن حيوة: إنّ لي نفسًا تواقة، وما حققت شيئًا إلا تاقت لما هو أعلى منه: تاقت نفسي إلى الزواج من ابنة عمي فاطمة بنت عبد الملك؛ فتزوجتها. ثم تاقت نفسي إلى الإمارة؛ فوليتها، وتاقت نفسي إلى الخلافة فنلتها، والآن طاقت نفسي إلى الجنة.

كلما جنَّ ليل أويت إلى مضجعي ورفعت يدي قائلًا: ربي لا تجعلني أركع إلا لاجئًا بك في محرابي، ولا تجعلني أقع إلا راجعًا لك في قبري، ثم أغمض عيني؛ فأرى في عالم الأحلام عالمًا غير الذي هنا، هنالك حيث ابتسام لا يعكر صفوه عجز، وأمل لا يكدر جماله بؤس، هنالك وهم لا نرجو ذهابه، وهنالك سحر لا نبغي غيابه.

لا أقول اخدع نفسك بالآمال والأحلام، ولكن عقلك لابد أن يمتلأ، فإن لم تكن أنت إياه مالئًا بأحلامك التي منك ولك، امتلأ هو بالعجز الذي هو ضدك وعليك. فليكن دائمًا في نفسك أحلام، واستعن بربك عليها، وتوكل ثم اتكئ على عزم أكيد ونية صادقة، ثم ليكن لك في السعي طريق، وفي المجاهدة رفيق، فالله لا يخيب آمال العباد الذين يسعون، إما مكافأة معجلة في الدنيا، أو ثواب مؤخر في الآخرة. أتحسب أن الله لا يكافئ من يظنون به حسنًا، وأي ظن بالله خير من أنك تدعوه بالليل: يا رب حقق أحلامي، ثم تخرج في سبيلها بالنهار، تعلم أن الله لا يرد دعاءك، ولا يصد سعيك!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد