مِن أجمل ما قيلَ في تثقيف البناتِ قولهم: «علِّموا بناتكم أنْ يُحقِّقن أحلامهن قبل الزواج، فالرَّجل ليس مصباح علاء الدّين». ذات نقاش هادئ سألت فتاة: «ماذا تنتظرين من الحياة؟» فأجابتني بزهوِ مُراهقة: «لا أنتظر من الحياة شيئًا، عريسي هو المهدي المنتظر!» بقيتُ مشدوهًا من جوابها، وما تزال للآن تِلكمُ الأسئلة تضغطُ عليَّ بمخارج حروفها:

مَن الّذي برمجَ بناتنا أنّ أحلامهنّ تنحصرُ في الحصول علَى عريسٍ؟ مَن الذي رسَّخ فكرة أنّ الأُنثى كُتلة من اللّحم خُلقت لإرضاءِ نزواتِ سيِّدنا الذَّكر؟ وأنّ أربعةً لا تشبعُ مِن أربعةٍ: «أرضٌ من مَطر، وعَين من نظر، وأذن من خبَر، وأُنثى من ذكر»! مَن شيَّع أنّ جسد المرأة يُساوي الكثير مع الرَّجل، في حين تسقط قيمتهُ من دون حضرته؟ مَن قال أنّ النساء وُلدنَ ليعشنَ بين أربعة جُدران، وأنهنّ لا حقَّ لهنَّ في طلبِ العلم وتقلُّد الوظائف؟ مَن الّذي جذَّر لفكرة أنّ طبخَ المرأة أهمُّ من طِبِّها، وكأنّ حياة الرّجل تتوقّف عندَ مَعدّتهِ؟

حلَّفتكم باللّه: ما فائدة وجود امْرأة تُجيد الطبخ، لكنها لا تُجيد فتحَ حوار؟ ما فائدة وجود امرأة تغسلُ أطنانًا من الأواني، وتُنظّف مساحات من الأراضي، لكنّها لا تقرأ ما يُكتب، ولا تكتبُ ما يُقرأ؟ ما فائدة حياة امرأة تَمهرُ في الطبخ والغسيل والتنظيف والإرضاع.. لكنّها لا تعرفُ من العالَم إلاّ مساحة بيتها؟

أنانيّون نحن الرّجال بمثل هذا التفكير السّطحي، وكأنّ الكونَ خُلق لجعل الزَّهرة تخدمُ المرِّيخ، بينما المرّيخ هو محور العالَم وحدهُ. لقدْ آن الأوان لإقصاء هذه الأنانيّة المُجحفة في حقّ نسائنا لأنّها ظَلَمَتْ المرأة، وظُلم المرأة لا يخدم الرّجل في دِينٍ ولا في دُنيا.

آن الأوان لتعليم بناتنا أنهن خُلقن لله ولم يخلقنا للرجال فقطْ، قال تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. فالمرأة خُلقت لتعبد الله، وليس لتعبد الرجل، والإنس ذُكرانُهم وإناثهم خُلقوا لعبادة الله وحده، إلاَّ إن كان فينا من يُسقط الإنسانية عن المرأة، فذلك موضوع آخر!

آن الأوان لتنشئة بناتنا علَى العيش من أجل الله، وليس من أجل أن تنال إعجاب من يتقدَّم إلى خطبتها. وإسقاط فكرة أنَّه لا طريقة يُعجب بها الرجل بالمرأة كأن تجيد له الطبخ وتعتني بجسدها، لاعتقادنا أنَّه لا طريقة أسهل للحصول علَى قلب الرجل من معدته، وأنَّ الحب يدخل الرجل من عينيه والمرأة من أذنيها.

ومن المضحكات المبكيات تصديق كل ما يشاع، وكأن ما يقوله الناس قرآن مُنزَّل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لذلك لن تقوم الأمة الإسْلامية إلا إذا أعطت المرأة مكانتها التي من أجلها خُلقت. والخروج من فكرة اختزال وجود المرأة في جسدها والرجل في بطنه، فإن تحدثوا هذا الحديث باسم الحب، قلنا لهم: ليس بالحب وحده يحيا الإنسان، بل هناك قضايا أهم من علاقة الرجل بالمرأة.

يا رجال الإسْلام، نريد لنسائنا أن يكنَّ مخترعات، طبيبات، باحثات، محققات، نريد امرأة تُفسِّر القرآن كتفسير ابن كثير وما ذلك عليها بكثير. نريد امرأة تجمع صحاح الأحاديث كالبخاري وما ذلك عليها بخارق. نريد امرأة تنافس الرجل في العلم والعمل، وليس في الحب فقطْ، فقد مللنا من العواطف من كثرة ما استهلكناها، ثم ليس بالعواطف وحدها يعيش الإنسان.

نريد الخروج من قصص «ألف ليلة وليلة»، إلى قصص نفاجأ فيها بـ«اخترعت.. لقد اكتشفت.. قامت بإنجاز.. كان لها قصب السبق.. ويعود الفضل لها في…» لأننا نعيش في عالم يحكمه أهل العلم والعمل، لا أهل العواطف والأحاسيس.

إننا نعيش في عالم يتطلب علينا أن نثبت فيه جدارة وجودنا بأنفسنا، لا بالرجوع إلى أسلافنا فقطْ، ليس الفتى من يقول كان أبي ولكن الفتى من قال ها أنذا، فأمةٌ تتحدث عن ماضيها، ولا تهتم بحاضرها، أمةٌ لا مستقبل لها.

تقول الأستاذة علياء الأنصاري في كتابها: «أنثى ليست للبيع»: «أُفضِّل أن أكون عانسًا، علَى أن أكون قاطعة طريق الله». أتدرين بُنيتي كيف تقطع المرأة طريق الله؟ تقطعه إذا عاشت حياتها بلا رسالة. تقطعه إذا عاشت حياتها تعتقد أن معنى وجودها يرتكز علَى خدمة الرجل، وليس علَى خدمة أمتها.

أتعجَّبُ من رجال لا يحفظون من القرآن إلا: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ، نعم نؤمن بذلك، لكن ماذا بعد الحرث أيها الرجل؟ أرنا في وضح النهار ثمرة ما حرثته في غسق الليل؟ أرنا علَى بساط الأرض ما حرثته علَى سريركَ؟ أم أنكَ تنكحُ لأجل إفراغ رغوتكَ، ولا تعنيكَ أمَّتكَ. أم أنكَ صرتَ كالديك، لا تعنيه البيضة بقدر ما يعنيه ركوبه فوق الدجاجة! أين تجسيد قول الفاروق عمر بن الخطاب فينا: «إنما نتزوج ليخرج الله من أصلابنا من يعبده»؟

في الحقيقة والحق يقال لا أتصورني أتزوج امرأة تُكمل معي بقية حياتها وهي بين أربعة جدران. لا أتصورني أتزوج امرأة تذبح الوقت في مشاهدة قنوات الطبخ، ثم تطبخ لي في آخر النهار بطاطا مسلوقة بالبيض مالحة المنتصف.

يقول الشيخ الغزالي: «إن الزواج ليس لمفاتنِ زوجةٍ، ولا لوسامةِ زوجٍ، إنما لإعْمار بيتٍ علَى مودة». آه لو أن مولانا الشيخ بيننا، لرأى كيف نُعمِّر بيوتنا؟ إذْ قلما تجد فتاة لا تفكر في فارس أحلامها علَى حصانه الأبيض. إنَّ تقزيم المرأة لطموحاتها في الحصول علَى زوج مشكلة، صحيح أن الزواج مطلب ضروري، ولكنه ليس محور الحياة، بحيث إذا انعدم لمْ يعدْ لما تبقى من حياتنا معنى. الحياة أوسع من الزواج، وما الزواج إلا قضية فرعية من فروعها الكثيرة، وليس بفرع واحدٍ تصنع الشجرة.

إن النجاحات التي ينتظر أصحابها زواجهم كي يحققوها، ليست إلا ذريعة لتبرير عجزهم، فالذين لا يحققون أهدافهم قبل زواجهم، نادرًا ما يحققونها بعده؛ لأن بعد الزواج يضيق الوقت وتتسع المسؤولية، وتصبح حياة الطرف الآخر أمانة في رقابنا، فإذا لمْ نهتبلْ فرصة العيش قبل الزواج، فالأحرى أن الزواج لن يكون فرصة بقدر ما قد يكون ورطة.

ولست ههنا أعيب الزواج، كلا.. ولكني أعيب علَى الذين يُسوِّفون تحقيق طموحاتهم بعد الزواج، وكأن الزواج طريق مُعَبَّد إلى جنات النعيم. الصواب أن تعيش المرأة لرسالة تؤديها، وهذه الرسالة يجب أن تنطلق مع بدء وعيها وليس بعد زواجها؛ لأن الزواج ليس خاتم سليمان لتحقيق جميع أحلامنا!

لا نعيب علَى المرأة أن تُفكّر في فارس أحلامها صاحب الجواد الأبيض، ولكن نعيب عليها انتظاره علَى جوادٍ مُسرعٍ، وكأنّ كلّ الرّجال الذين يُجيدون امتطاء الجياد جديرون بالزواج. كلا.. تمهلي قليلًا! أعطي نفسكِ فُسحة من الوقت لتُفكّري في هذا الفارس، أمِغوار هو أم مَغرور؟ أفارس هو فوق جواده فقطْ، أم فارس في المسؤولية أيضًا؟ إذ ليس كل من يعرف أنواع الزهور، يُحسن تحويلها إلى عطور!

اسألي قلبكِ عاطفيًّا وعقلك منطقيًّا: إذا ما كان هذا الفارس الذي تنتظرينه يستحق أن تركبي معه فوق جواده أم لا، فليس كلّ من يُجيد الركوب بمفرده، يملكُ قابلية أنْ يُشاركه غيرهُ في الركوب!

وأيقني يقينًا لا شك بعده: أن الزواج ليس ليلة دُخلة بل عِشرة عمر، والأزواج الصالحون لا يُعرفون عند ليلة الدُّخلة، بل بعدها بكثير، فلا حاجة للعجلة؛ لأنك مُقبلة إلى رجل ستُكملين حياتكِ معه تحت سقف واحد، وإذا لمْ تكنْ لكِ قُدرةٌ علَى تحمّل مُخالفته فلا تُقدمي علَى مُؤالفته، فإن الترك بعد التعلُّق موجعٌ، والعنوسة في ظل الراحة خير من زواج في ظل الشقوة، ورحم الله جدَّتي حينما كانت تقول لنا: «بقاء البنت في بيت أهلها، خير من زواج الفضائح»!

ولا تنسيْ يا ابنتي أنَّ القضية لا تتوقف عند الزواج فحسب، إنما في حسن من اخترته زوجًا، فالنبي صلَّى الله عليه وسلَّم لم يرِّغبْ في الزواج دون أن يدلِّنا على أهله. فلا تصبِّي جلَّ اهتمامكِ بالزواج وتنسينَ معايير الزوج، لأنه هو الذي يملك زمام راحتكِ من شقوتكِ بعدها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد